كراكاس ـ المغرب اليوم
عاشت الفتاة الفنزويلية فابيانا، البالغة من العمر 12 عاماً، تجربة قاسية ومؤثرة لخصت حجم المأساة والإرادة الإنسانية، إثر الزلزالين العنيفين اللذين ضربا فنزويلا في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران الماضي، واللذين كان ثانيهما الأقوى في البلاد منذ قرن كاملاً بقوة بلغت 7.5 درجة، مخلفاً دماراً هائلاً تأكدت معه وفاة 3,342 شخصاً وإصابة وتشريد عشرات الآلاف حتى مطلع الأسبوع الحالي.
وكانت والدتها، كارينا بلانكو، على وشك بدء حصة تمارين الدراجة الثابتة التي تُدرّسها في ولاية لا غوايرا شمال البلاد عندما بدأت الأرض تهتز بعنف، لتندفع نحو الخارج وتستقل سيارتها بأقصى سرعة ممكنة متجهة نحو منزلها في بلدة كاراباليدا الساحلية، حيث تركت ابنتها الوحيدة بمفردها. وعند وصولها، صُدمت كارينا برؤية المبنى السكني المكون من 10 طوابق وقد استحال ركاماً بالكامل وفراغاً موحشاً، لتبدأ نوبة من اليأس والصراخ ظناً منها أن ابنتها قد فارقت الحياة، لا سيما بعد رؤيتها لنصف سرير الفتاة يبرز من بين الأنقاض المنهارة.
وفي المقابل، كانت فابيانا داخل الشقة بالطابق الأول حين وقعت الهزات المتتالية، حيث حاولت الاحتماء بالمطبخ والتمسك بالمنضدة قبل أن تنهار الجدران الفاصلة والأسقف من حولها وفوقها مباشرة، مما جعلها محاصرة تماماً في مساحة ضيقة للغاية يكاد السقف فيها يلامس وجهها وهي مستلقية على ظهرها. ورغم إصابتها برهاب الأماكن المغلقة والقلق الشديد عادة، إلا أن الصدمة أدخلتها في حالة من الهدوء الغريب، وبدأت رحلة الصمود والمقاومة عبر محاولة فرد ساقها المثنية في وضع مؤلم تحت الحطام، وخلال إزاحتها لبعض الأنقاض عثرت بمحض الصدفة على زجاجة "كاتشب" وقليل من الجبن المبشور، وهو ما تناولته وأبقاها واعية طوال الساعات العصيبة التالية. كما عثرت الفتاة على هاتفها المحمول، ورغم انقطاع التغطية تماماً، قامت بتصوير مقطع فيديو لنفسها تشرح فيه موقعها وتطالب بالنجدة، على أمل إرساله لاحقاً.
وتأرجحت عمليات الإنقاذ طوال 32 ساعة بين الأمل واليأس والتعقيدات الميدانية؛ فبعد ست ساعات من وقوع الزلزال، نجح متطوعون في انتشال ممرضة من الطابق العلوي كانت قد تواصلت صوتياً مع فابيانا، وأبلغت المسعفين بوجود فتاة حية تحت الركام. وعقب ذلك، عاد الأمل لقلب الأم التي سارعت للموقع، إلا أن فرق الإطفاء الأولى التي وصلت مع الفجر عجزت عن سماع صوت الفتاة أو الوصول إليها فقررت المغادرة. وهنا برز دور متطوع محلي يُدعى "فيكتور"، والذي تسلق الحطام واستمر في المناداة حتى التقطت الفتاة صوته وأجابته، ليعود الزخم العمالي للموقع وسط انسحابات متكررة لبعض فرق الإطفاء لضعف الإمكانيات واستحالة الاختراق.
ومع حلول ظلام الليلة الثانية، استدعى رجال الإطفاء فريق إنقاذ متخصص من العاصمة كاراكاس، وتضافرت الجهود المحلية معهم عبر توجيه الأضواء الأمامية لسبع دراجات نارية وسيارتين نحو المبنى، لتبدأ عمليات حفر الثقوب يدوياً وميكانيكياً شيئاً فشيئاً، حتى تمكنوا من فتح ثغرة نفذ منها الضوء إلى فابيانا، حيث التُقطت لها صورة مبتكرة وهي تنظر من خلال الفتحة، وانتشرت كالنار في الهشيم عبر وسائل الإعلام الفنزويلية كرمز للصمود. وفي تمام الساعة الثانية من صباح يوم الجمعة، نجحت الفرق في حفر نفق ضيق كافٍ لسحب الفتاة وإخراجها بسلام لتنهار بين ذراعي والدتها، في مشهد وصفته الناجية بأنه كان أشبه بحلم أو مسلسل تلفزيوني.
وتماثلت فابيانا للشفاء وتعيش حالياً برفقة جدتها، حيث اقتصرت إصابتها الجسدية على كسر في قدمها اليسرى وبعض الخدوش الطفيفة، رغم أنها لا تزال تعاني من صدمة نفسية تمنعها في الأيام الأولى من الاستلقاء على ظهرها تجنباً لاسترجاع ذكريات الاحتجاز المظلم. وختمت الأم كارينا حديثها بالإشارة إلى حجم الحزن العميق الذي يلف المنطقة، خاصة وأن مبناها السكني لم ينجُ من بين قاطنيه الخمسين سوى ثلاثة أشخاص فقط، مؤكدة أن التعافي العاطفي والمادي سيستغرق وقتاً طويلاً، لكن وجود ابنتها على قيد الحياة يمنحها القوة الكاملة لتجاوز المحنة وإعادة بناء حياتهما من جديد.
قد يهمك أيضا


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر