المغرب اليوم  - رواية بطن الحوت قراءة في الذات الإنسانية

رواية "بطن الحوت" قراءة في الذات الإنسانية

 المغرب اليوم  -

 المغرب اليوم  - رواية

بيروت - وكالات

قلّما ينجح الإنسان في مسيرته الحياتيّة بنزع كلّ الأقنعة الّتي يلبسها مجبراً أو مختاراً خلال رحلته في هذه الحياة. وذلك لعدّة أسباب أهمّها عامل الظاهر الإنسانيّ المسيطر على جميع نواحي الحياة، بمعنى إظهار الصّورة الإنسانيّة المُثلى والفُضلى، بغض النّظر عمّا تحتويه الذّات الإنسانيّة من حقيقة. وقلّما نجد أشخاصاً يظهرون ذواتهم كما هي، ولعلّ ذلك يتطلّب صدقاً ومصالحة مع الذّات. فما يبدو عليه الإنسان مخالفا نسبيّاً لما يخفيه في الحقيقة. ولا يتحكّم الإنسان بهذا السّلوك بشكل إراديّ صرف، وإنّما غالباً ما يكون بشكل غير واع وغير مدرك. فالهمّ الأساسيّ هو أن يظهر بأجمل صورة. في نفس الخطّ ومنذ البدء وعلى الرّغم من طبيعته النّاقصة والخاضعة للضّعف البشريّ، تاق الإنسان إلى الخلود، ورسم في خياله عدّة لوحات تمكّنه من الاقتناع بفكرته عن الخلود، ولكن دون أن يعي أنّه وهو النّاقص، لا يمكنه أن يبتكر خلوده بنفسه. وذلك لأنّ طبيعته الفانية تؤول باستمرار للمرض والتّعب، والجوع والعطش... إلّا أنّ هذه الطّبيعة النّاقصة ليست بعيدة عن الخلود في حال أدرك الإنسان أنّه وقبل كلّ شيء قيمة يمكنها أن تستمرّ إلى الأبد. ويتجلّى هذا التّوق إلى الخلود في ديانات الشّعوب القديمة إذ نقرأ في شتّى الحضارات القديمة الكثير من الأساطير الّتي عبّرت عن هذه الرّغبة العميقة واجتناب الموت والفناء تحت التّراب. ولا بدّ أنّ هذه الفكرة وهذه الرّغبة ما زالت إلى يومنا هذا تؤرق العقل الإنسانيّ، كما وأنّ تلك الأساطير ما زالت متعايشة مع الإنسان، تعيش فيه ويعيش بها. بمعنى أنّها خلقت له خطّاً يمكّنه من التّأمّل بذاته وبالكون للوصول إلى ملامسة الحقيقة قدر الإمكان ليدرك بقلبه وعقله مفهوم الخلود. ناهيك عن المفاهيم الفلسفيّة والدّينيّة الّتي ساهمت في فهم فكرة الخلود. تقوم رواية الكاتبة "صونيا عامر"، (بطن الحوت) على هاتين الإشكاليّتين، وتطرحهما بشكل مبسّط للقارئ في أحداث تجري في خرافة في عمق المحيط تدعى بطن الحوت. هذا المكان الّذي تصوّر فيه الكاتبة بامتياز كمّيّة الأقنعة الّتي تعيق الإنسان في حياته وتجرّده من إنسانيّته في حال تعايش معها على أنّها حقيقته. كما أنّها، أي الكاتبة، تحاكي الذّات الإنسانيّة  وتبيّن غرابتها وتناقضاتها وإيجابيّاتها وسلبيّاتها بعدّة أشخاص ولكن يمكن للقارئ أن يجد نفسه في كلّ شخص. كما أنّها تبيّن للقارئ تدريجيّاً، أنّ الخطوة الذّاتيّة نحو الخلود بالمعنى العقليّ للمفهوم، ليست سوى صراع للبقاء وسلسلة من السّقطات الّتي تؤدي حتماً إلى الهلاك. فهي إذ تسرد الأحداث تؤسّس لعدّة أسئلة وجوديّة وفلسفيّة فيحاول القارئ أن يتخطّى النّصّ الحرفيّ ليبحر إلى ما هو أبعد من التّعابير البسيطة الّتي تستخدمها الكاتبة كرموز للدّلالة على فظاعة الإنسان النّاتجة عن أنانيّته وسوء احترامه لقيمته الإنسانيّة. تتجلّى هاتان الإشكاليّتان في مناخ تهيّئه الكاتبة داخل بطن الحوت، حيث يتواجد ألف شخص نصفهم نساء والنّصف الآخر رجال، يخضعون لشروط معيّنة ومحدّدة للتّمكّن من البقاء داخل هذا المكان الخرافيّ الّذي يتّسع للكثير من المرح والانشراح والحرّيّة والحبّ... وأيّ خلل أو خطأ يصدر منهم يودي بحياتهم. إلّا أنّ عدم الإخلال بالشّروط يفترض سلوكاً يبعث اللّذة للإنسان ولكنها لذّة ما تلبث أن تجعله يدرك أن اقترابه من شجرة معرفة الخير والشّرّ تميت فيه جوهره الإنسانيّ الحقيقيّ. فلم تكن تلك الشّجرة تعني يوماً إدراك الإنسان للخير والشّرّ بالمطلق، وإنّما عنت إدراك الإنسان لما هو لخيره وشرّه الشّخصيَّيْن  بعيداً عن قيمته الإنسانيّة الّتي هي في أصلها على صورة الحبّ المطلق والأسمى. فعلى سبيل المثال، من يسعى لاستغلال شخص ما في سبيل التّمتّع برفاهيّة الحياة فهو يبحث عمّا هو لخيره وإن لعب دور العاشق والمتيّم. ومن يخضع لأنانيّته ليلبّي حاجاته فهو يريد خيره أوّلاً وإن كان هذا الخير يمسّ بالكرامة الإنسانيّة. وأيّ سلوك يسلكه الإنسان بعيداً عن احترام قيمته الإنسانيّة وقيمة الآخر هو سعي للّذة الشّخصيّة وبالتّالي فهو مستعدّ لقتل الآخر جسديّاً أو روحيّاً في سبيل تلك اللّذة. الشّرط الأساسيّ للولوج داخل بطن الحوت هو التّنكّر، أو بمعنى أصحّ الغربة عن الّذات. وهنا تُظهر الكاتبة قدرة عالية على التّغلغل في عمق الذّات الإنسانيّة إذ أنّها تبرز خفايا هذه الذّات ورغبتها في تبديل معالمها بشتّى الطّرق لعيش اللّذة والاستمتاع بكلّ ما لا يمكن أن تستمتع به إذا ما أخذت بعين الاعتبار المعايير الاجتماعيّة والعادات والتّقاليد. وهنا تفجّر "صونيا عامر" كلّ الرّغبات الدّفينة الّتي تسكن في عمق الذّات الإنسانيّة والّتي يمكن لأي إنسان أن يعيشها في الخفاء مع ذاته دون أن يظهرها وذلك لخوفه على الصورة الخارجيّة وخوفاً من رأي الآخر الّذي هو بدوره يحكم ويدين ليخفي حقيقته. ولك، أيّها القارئ،  وأنت تعيش حدث بطن الحوت، أن تلج نفسك وتبحث فيها عن كلّ ما تخفيه في أعماقك وأن تستدعي كلّ أفكارك ورغباتك وتساؤلاتك الّتي تخاف أن تعبّر عنها وتصرّح بها علناً. وذلك بهدف أن تتحرّر من قيود الخوف لتعبر إلى الحرّيّة والكرامة الإنسانيّتيْن، وتظهر كما أنت شفافاً، نقيّاً، متقبّلاً ذاتك بعيداً عن أي حكم أو إدانة ومصوّباً نظرك نحو قيمتك الإنسانيّة الّتي باحترامك لها وحبّك لها  ترتقي إلى الخلود. تولي الكاتبة أهمّية كبرى للصّوت السّاكن في عمق الذّات الإنسانيّة، الضّمير. الأنا الّذي يخز الإنسان وقد يصفعه أحياناً ليوقظه من سباته العقليّ والرّوحيّ. وتجسّده "صونيا عامر" بعدّة تساؤلات لتبيّن لنا أنّ الإنسان ومهما تغرّب عن نفسه فلا بدّ أن يجالسها ولو للحظات ليتساءل عن سبب سلوكه درب الهلاك. فالإنسان خيّر بالفطرة ولا يولد شرّيراً وجوهره المحبّة؛ وبالتّالي مهما واجه من ظروف بيئيّة واجتماعيّة وتربويّة، فلا بدّ أن يتحرّر منها يوماً ويصارع أمواج الحياة والغرق فيها، ليعود إلى شاطئ الأمان الإنسانيّ الأصيل مقترباً من شجرة الحياة ليأكل من ثمارها فيخلد أبداً. طرح  فلسفيّ وجوديّ، عبّرت عنه الكاتبة "صونيا عامر" تعبيراً حيّاً في رواية لطيفة قد تكون أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، ولكنّها تعبّر بصدق عن الواقع الإنسانيّ المتناقض والمتصارع في ذاته. وللقارئ أن يخرج من بطن الحوت لا بالحكم والعبر وإنّما بنظرة واعية إلى ذاته الإنسانيّة محاولاً التّأمّل فيها بشكل أعمق لعلّه يتحرّر من عبوديّته الشّخصيّة ليسلك دروب الحرّيّة الإنسانيّة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 المغرب اليوم  - رواية بطن الحوت قراءة في الذات الإنسانية  المغرب اليوم  - رواية بطن الحوت قراءة في الذات الإنسانية



 المغرب اليوم  -

خلال حضورها حفلة توزيع جوائز تجميل هوليوود

باريس هيلتون تتألق في فستان مثير كشف عن صدرها

نيويورك - مادلين سعادة
خطفت باريس هيلتون، الأنظار، أثناء حضورها حفلة توزيع جوائز تجميل هوليوود، وتعرضت لموقف محرج مرتين بسبب تعثرها في الفستان. وكافحت باريس من أجل تغطية صدرها، إذ انزلقت فتحة عنق الفستان، وحاولت الحفاظ على توازنها من السقوط حينما تعثر كعب حذائها في ذيله. وبدت باريس مذهلة في فستان فضي لامع، والذي جاء بفتحة صدر هائلة، وفتحة أمامية تكشف ساقيها حتى الفخذ. وارتدت نجمة برنامج "حياة بسيطة" حذاءً مطابقًا من الفضة اللامعة وحقيبة يد مبهرة معه. ولذا أصيب الجميع بخيبة الأمل لتعثر الجميلة الشقراء، مما أجبرها على الانحناء، لإعادة ترتيب ذيل الفستان، قبل أن تتمكن من إنقاذ نفسها من الحادث الثاني، الذي كاد أن يكشف عن صدرها. وتجاوزت باريس الأمر بأنها ضحكت خلال تعديل ملابسها، والتأكد من أن كل شيء آمن. وكانت ليلة كبيرة للعارضة، التي حصلت على جائزة تكريم، لعطرها الذي أطلقته تحت اسم Gold Rush. ومن المعروف أن…

GMT 01:47 2017 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

نهان صيام تبيّن أهم قطع الإكسسوار المحببة للمرأة
 المغرب اليوم  - نهان صيام تبيّن أهم قطع الإكسسوار المحببة للمرأة
 المغرب اليوم  - تعرف على عشرة أشياء لتفعلها في سان بطرسبرغ الروسية

GMT 03:28 2017 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

مقاتلتان أميركيتان تعترضان طائرة في منطقة الحظر
 المغرب اليوم  - مقاتلتان أميركيتان تعترضان طائرة في منطقة الحظر
 المغرب اليوم  - فضائية ABC تنفي وجود أي نية لإقالة ياسمين عبد المجيد

GMT 12:15 2017 الإثنين ,16 كانون الثاني / يناير

الإعلامي أحمد يونس يُطلِق أولى رواياته في معرض الكتاب 2017

GMT 21:40 2017 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تقديم رواية "لا وجود للحية ملساء" في الدار البيضاء

GMT 09:43 2017 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

صدور رواية "وللبحر حكاياه" في معرض القاهرة للكتاب

GMT 22:02 2017 الجمعة ,06 كانون الثاني / يناير

الشروق تصدر "الوشم الأبيض" في معرض القاهرة الكتاب

GMT 09:12 2017 الأربعاء ,04 كانون الثاني / يناير

"أنت-فليبدأ العبث" لمحمد صادق تصدر قريبًا عن دار رواق

GMT 21:19 2017 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

"الشيطان يحكم العاصمة" رواية جديدة لفرحات جنيدي

GMT 07:38 2016 السبت ,31 كانون الأول / ديسمبر

صدور رواية "الطريق إلى الحافة" لعبد العزيز غوردو

GMT 22:52 2016 الجمعة ,30 كانون الأول / ديسمبر

صاحب "هيبتا" يطرح أحدث روايته "أنت.. فليبدأ العبث"
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -
 المغرب اليوم  -
 
 Morocco Today Facebook,morocco today facebook,المغرب اليوم الفيسبوك  Morocco Today Twitter,morocco today twitter,المغرب اليوم تغريد Morocco Today Rss,morocco today rss,rss Morocco Today  Morocco Today Youtube,morocco today youtube,المغرب اليوم يوتيوب  Morocco Today Youtube,morocco today youtube,المغرب اليوم يوتيوب
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib