بقلم : سليمان جودة
مضى زمن كان احتفال المولد النبوى فيه بالحصان الحلاوة للولد، والعروسة الحلاوة أيضاً للبنت، وكانت الأسواق تمتلئ بالأحصنة والعرائس المُزينة والمصنوعة من السكر المعقود، فإذا جاء يوم المولد فى ١٢ ربيع الثانى من كل عام هجرى، انهمك كل ولد فى أكل الحصان، وانهمكت كل بنت فى أكل العروسة قطعة من وراء قطعة!.
ولكن دار الزمان دورته وجاء زمن صارت حلاوة المولد فيه من الفولية والسمسمية وغيرهما، ولو أنك بحثت عن حصان أو عن عروسة من حلاوة زمان فلن تجد!..
أما الاحتفال بمولد النبى الأعظم فلا يكون أبداً بالتهام كل هذه الأصناف من الحلويات. ففى ١٢ ربيع الثانى من كل سنة هجرية نظل مدعوين إلى إعادة إحياء ما جاء به نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام من قيم باقية فى التعامل بين الناس.
وإذا شئت أن تجد بعضاً من هذه القيم مُجسداً أمامك على أقوى ما يكون، فارجع إلى خطبة الوداع التى ألقاها النبى الكريم يوم حج حجته الأولى والأخيرة فى السنة العاشرة من الهجرة. فلقد أرادها خطبة موجهة للناس على اختلافهم، لا للمسلمين وحدهم، وأرادها قصيرة مختصرة فى سطورها لعلها تكون سهلة القراءة والحفظ لمن يحب.
وقف عليه الصلاة والسلام يخطب فى الذين رافقوه فى حجته، وكان إذا توجه إليهم بالكلام وهو يخطب فيهم لم يقل: أيها المسلمون. وإنما كان يقول: أيها الناس. كان يكررها كل سطرين أو ثلاثة، وكان الهدف أن يترسخ المعنى الذى أراده فى الأذهان.
وفى حياته، كان إذا ذكر عيسى عليه السلام قال: أخى عيسى. وكان إذا ذكر موسى عليه السلام قال: أخى موسى. وكان الهدف أن يفهم السامع أن بين أتباع الديانات السماوية الثلاث أخوة، وأنها تأمر أتباع كل ديانة بعدم الإقلال من شأن أتباع الديانتين الأخريين، فالأُخوة رابطة بين أتباع الديانات الثلاث، وهى رابطة تعلو فى التعاملات على كل ما عداها. أما عبارة «أيها الناس» فى خطبة الوداع فأرادت أن تكون رابطة الإنسانية حاضرة بين الجميع، وسواء كان الناس يؤمنون بديانة سماوية أو لا يؤمنون، فإيمان الناس أو عدم إيمانهم ليس شأنى ولا شأنك، ولكنه شأن الخالق سبحانه وتعالى الذى سيقف الجميع أمامه يوم الحساب.
ما بين الرابطتين.. رابطة الأخوة ورابطة الإنسانية.. عاش النبى الأكرم يدعو ويقول، ولسنا مدعوين إلى شىء إلا إلى الأخذ عنه والاقتداء بما قال به ودعا إليه.