الرئيسية » نساء في الأخبار
مدفع رمضان بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة (الصورة من وزارة السياحة والآثار المصرية)

القاهرة - المغرب اليوم

يحضر شهر رمضان في ذاكرة المصريين، كما في وجدان شعوب عربية وإسلامية كثيرة، محمّلاً بأصوات وروائح وطقوس شكّلت عبر عقود طويلة ملامح هذا الشهر، وفي مقدمتها دويّ مدفع الإفطار الذي لم يكن مجرد إشارة زمنية تعلن انقضاء ساعات الصوم، بل لحظة جماعية تختلط فيها رهبة الانتظار بفرحة الإفطار. ومع تطور وسائل قياس الوقت، ظل صوت المدفع محتفظاً بمكانته الرمزية، بوصفه جزءاً من هوية الشهر وذاكرته الشعبية.
قبل ظهور المدفع، اعتمد المسلمون على الأذان بوصفه الوسيلة الشرعية الأساسية للإعلان عن دخول وقت الصلاة والإفطار والسحور. وتشير المصادر التراثية إلى تنظيم دقيق لمواقيت الصيام منذ العهد النبوي، إذ كان بلال بن رباح يؤذن لتنبيه الناس، فيما كان عبد الله بن أم مكتوم يؤذن عند الفجر. ومع اتساع المدن الإسلامية في العصور اللاحقة، ظهرت وسائل مساعدة إلى جانب الأذان، مثل قرع الطبول في القلاع والساحات، واستخدام “النقّارات”، وإيقاد المشاعل فوق المآذن، فضلاً عن دور المسحراتي الذي عُرف في مصر منذ العصر الفاطمي، وكان يجوب الأزقة قبل الفجر لإيقاظ الناس للسحور.
ومع تزايد الكثافة السكانية في المدن الكبرى، برزت الحاجة إلى وسيلة أشد وقعاً وأبعد مدى، فظهر تقليد إطلاق مدفع الإفطار في مصر، الذي عُرف باسم “مدفع الحاجة فاطمة”. وتعددت الروايات بشأن بدايته؛ فإحداها تعيده إلى عهد السلطان المملوكي خوشقدم في القرن الخامس عشر، عندما صادف إطلاق مدفع تجريبي وقت غروب أول أيام رمضان، فظن الناس أنه تقليد مقصود، وطالبوا باستمراره، وقيل إن زوجته التي عُرفت بالحاجة فاطمة نقلت رغبتهم إليه فاستجاب.
رواية أخرى تنسب البداية إلى عهد محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر، عندما أُطلق مدفع للتجربة وقت الغروب فاستحسن الناس الفكرة، فيما تشير رواية ثالثة إلى عهد الخديوي إسماعيل، حيث قيل إن الأميرة فاطمة إسماعيل أمرت باستمرار إطلاق المدفع بعد أن صادف إطلاقه وقت الإفطار. وأياً تكن الرواية الأصح، فإن المؤكد أن التقليد انطلق من مصر وانتشر إلى بلاد الشام، ثم إلى إسطنبول ودول البلقان، ولاحقاً إلى بغداد والكويت، كما تبنته المملكة العربية السعودية بعد دخول مكة والمدينة تحت حكمها في عشرينيات القرن العشرين، وانتقل إلى الإمارات وبلدان أخرى في آسيا وأفريقيا.
ومع تأسيس الإذاعة المصرية عام 1934، ثم انطلاق التلفزيون عام 1960، لم يعد صوت المدفع مقتصراً على محيط القلعة، بل صار يُبث إلى ملايين البيوت، ما رسّخ حضوره في المشهد الرمضاني اليومي. وتوقف إطلاقه خلال فترات الحرب مع إسرائيل، مع الاكتفاء ببث تسجيل صوتي، قبل أن يُعاد إحياؤه عام 1983، واستمر إطلاقه من قلعة صلاح الدين حتى تسعينيات القرن العشرين، حين نُقل إلى جبل المقطم حفاظاً على المباني الأثرية المحيطة.
وتتنوع أنواع المدافع المستخدمة في هذا التقليد بين مدافع ميدانية قديمة وأخرى حديثة تُطلق طلقات صوتية احتفالية. ففي القاهرة استُخدمت مدافع ألمانية الصنع من طراز كروب عيار 75 ملم، بينما تستخدم بعض الدول مدافع بريطانية أو فولاذية حديثة للغرض نفسه. وفي القدس، تولت عائلة صندوقة مهمة إطلاق المدفع لعقود طويلة، فيما يُطلق في سراييفو من قلعة جوتا تابيا، وفي بعض مدن الهند من قلاع تاريخية تعود إلى عهود سابقة.
ومع دخول العصر الرقمي، وفرت التطبيقات الذكية والساعات الإلكترونية مواقيت دقيقة بحسب الموقع الجغرافي، وأصبحت ترسل إشعارات قبل الأذان، فيما تعرض لوحات إلكترونية في بعض المدن عدّاً تنازلياً لموعد الإفطار. ومع ذلك، تبقى للمدفع رمزيته الخاصة، إذ لم يعد دوره محصوراً في معرفة الوقت، بل في استدعاء ذاكرة جماعية تعيد الكبار إلى طفولتهم، وتمنح الصغار تجربة حسية لا توفرها الشاشات.
وهكذا، من الأذان في صدر الإسلام إلى دويّ المدفع في سماء القاهرة، وصولاً إلى تنبيه صامت على هاتف ذكي، تتغير الوسائل ويبقى المعنى واحداً: لحظة انتظار يتقاسمها الملايين، تعلنها القلوب قبل الساعات، ويظل فيها مدفع الحاجة فاطمة رمزاً لفرحة رمضانية تتجدد كل عام.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

قيادة السعودية تهنئ ملك المغرب بحلول شهر رمضان

تباين رؤية هلال رمضان بين الحسابات الفلكية واختلاف المطالع في الدول العربية وأوروبا

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

تسريبات تتحدث عن كواليس مقتل لونا الشبل وتفاصيل مثيرة…
دميترييف يشيد بجهود ميلانيا ترامب في لم شمل أطفال…
شقيقة زعيم كوريا الشمالية تعتبر أسف سيول بشأن توغل…
مي زيادة أديبة النهضة التي تجاوزت دور “الملهمة” وصنعت…
المرأة الحديدية اليابانية ساناي تاكايتشي تقترب من فوز كاسح…

اخر الاخبار

الجيش الإيراني يحذر من حسابات خاطئة ويراقب التحركات الأميركية…
نتنياهو يعلن خطة لبناء تحالفات إقليمية في مواجهة المحاور…
ارتباك داخلي بحزب الأصالة والمعاصرة في الناظور مع اقتراب…
شوكي يؤكد جاهزية الأحرار للانتخابات المقبلة وثقة الحزب في…

فن وموسيقى

عمرو دياب يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بظهور عائلي كامل…
سلاف فواخرجي تكشف كواليس ارتدائها الحجاب في مهرجان فجر…
محمد هنيدي يؤكد حرصه على إبعاد الجمهور عن خلافاته…
حسين فهمي يوضح موقفه من محكمة الأسرة وزوجاته السابقات

أخبار النجوم

غادة عبد الرازق تغيب عن دراما رمضان 2026 بعد…
عمرو دياب يثير حيرة جمهوره حول تعاون جديد مع…
مي سليم تكشف تفاصيل خاصة في حياتها الشخصية
محمد رمضان يهدي حساب تيك توك يضم 10 ملايين…

رياضة

كريستيانو رونالدو يصل للهدف 500 بعد سن الثلاثين
مرشح لرئاسة برشلونة يقدّم وعدا ينتظره الجميع
كيليان مبابي ينال 4 ملايين يورو من باريس سان…
مشروع كرة قدم مشترك بين الفيفا ومجلس السلام لدعم…

صحة وتغذية

مشروبات طبيعية لتعزيز المناعة وصحة القلب
تحذير خطير أدوية إنقاص الوزن قد تسبب فقدان البصر
اكتشاف طريقة واعدة لإبطاء سرطان القولون وزيادة فرص النجاة
الانقطاع عن القهوة خلال صيام رمضان يثير التوتَر لدى…

الأخبار الأكثر قراءة

الأميرة للا حسناء تترأس حفل العشاء الدبلوماسي الخيري السنوي…
منظمات حقوقية تحذر مع دخول الصراع يومه الألف من…
ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
البيت الأبيض يشتبه بتورط غرين في تسريب تحركات ترامب…
استبعاد تولسي غابارد من عملية فنزويلا يثير جدلا بعد…