الرئيسية » أخبار محلية وعربية وعالمية
الرئيس الأميركي دونالد ترامب

واشنطن - المغرب اليوم

تبدو بعض أفكار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للوهلة الأولى، غير مألوفة أو صادمة، إلا أن العودة إلى التاريخ الأمريكي تكشف أنها ليست جديدة تماماً، بل امتداد لتوجهات وسياسات سبق أن تبنتها الولايات المتحدة في مراحل مختلفة من تاريخها، خصوصاً فيما يتعلق بتوسيع النفوذ الإقليمي عبر شراء الأراضي أو بسط السيطرة عليها.
فترامب لم يكن أول من طرح فكرة ضم كندا إلى الولايات المتحدة، إذ حاول الأمريكيون غزوها خلال الحرب مع بريطانيا عام 1812، كما أنه لم يكن أول من أبدى اهتماماً بشراء جزيرة غرينلاند. تعود فكرة الاستحواذ على هذه الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي إلى ستينيات القرن التاسع عشر، عندما نوقشت لأول مرة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي خلال رئاسة أندرو جونسون.
وتشير وثائق رسمية تعود إلى عام 1867 إلى أن غرينلاند كانت تُعد موقعاً بالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية، نظراً لموقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية المحتملة، وهو العام نفسه الذي اشترت فيه الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، في صفقة وُصفت آنذاك بأنها غير موفقة، قبل أن يتضح لاحقاً حجم المكاسب الجيوسياسية التي حققتها واشنطن منها.
ورغم هذا الاهتمام المبكر، لم تشهد العلاقات الأمريكية – الدنماركية تحركاً رسمياً لشراء غرينلاند إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار مقابل الجزيرة، كما طُرحت فكرة مقايضة أراضٍ في ألاسكا بمناطق استراتيجية داخل غرينلاند. وكان الدافع الأساسي وراء هذا العرض اعتقاد المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن السيطرة على الجزيرة تمثل ضرورة دفاعية في عالم ما بعد الحرب.
وظل هذا العرض طيّ الكتمان لعقود، ولم يُكشف عنه إلا بعد رفع السرية عن وثائق رسمية في أوائل التسعينيات. وفي أواخر أربعينيات القرن الماضي، بدأت التحليلات العسكرية الأمريكية تنظر إلى غرينلاند باعتبارها موقعاً متقدماً بالغ الأهمية في منطقة القطب الشمالي، خاصة مع تصاعد التوترات مع الاتحاد السوفييتي وبداية تشكّل ملامح الحرب الباردة. فقد كانت القوات الأمريكية متمركزة بالفعل في مواقع عدة على الجزيرة، الأمر الذي جعل وجودها عرضة لانتقادات سياسية ودبلوماسية بسبب تمركز قوات أجنبية على أراضٍ لا تخضع للسيادة الأمريكية.
ورأت الدوائر العسكرية آنذاك أن شراء الجزيرة قد يكون الحل الأمثل لهذه الإشكالية، إلى جانب ما يمنحه من تفوق استراتيجي واضح، إذ تمتد غرينلاند على مساحة تقارب مليوني كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر جزيرة في العالم وقاعدة طبيعية متقدمة للعمليات العسكرية ومراقبة المجال الجوي ونشر أنظمة الدفاع الصاروخي مستقبلاً. كما تكتسب الجزيرة أهمية خاصة في مجال رصد الطقس، حيث تلعب دوراً محورياً في متابعة العواصف التي تؤثر على شمال غرب أوروبا.
ومع مرور العقود، لم تتراجع أهمية غرينلاند، بل ازدادت مع التحولات المناخية المتسارعة. فذوبان الجليد البحري الناتج عن الاحتباس الحراري أعاد رسم خريطة القطب الشمالي، وفتح الباب أمام طرق بحرية جديدة محتملة للسفن التجارية والعسكرية، ما أعاد تسليط الضوء على القيمة الاستراتيجية للجزيرة. وتشير تقديرات إلى أن هذه الممرات قد تختصر زمن الرحلات بين آسيا والغرب بنحو 20 يوماً، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة لتكون أحد محاور التنافس السياسي والاقتصادي في القرن الحادي والعشرين.
غرينلاند اليوم هي أكبر جزيرة في العالم، وتتمتع بحكم ذاتي واسع في إطار السيادة الدنماركية، ولها برلمانها وحكومتها المحلية. ورغم حصولها على الحكم الذاتي عام 1979، لا تزال تعتمد على الدنمارك في ملفات السياسة الخارجية والدفاع والشؤون المالية. وتزخر الجزيرة بثروات طبيعية كبيرة تشمل معادن نادرة واحتياطيات محتملة من النفط والغاز، إلى جانب الثروة السمكية التي تشكل الدعامة الأساسية لاقتصادها.
ويبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 57 ألف نسمة فقط، غالبيتهم من أصول إنويت، ويتحدثون اللغة الغرينلاندية إلى جانب الدنماركية. ويواجه المجتمع المحلي تحديات اجتماعية واقتصادية متعددة، من بينها آثار العزلة وطول فترات الشتاء القاسي. وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الأصوات المطالبة بمزيد من الاستقلال عن الدنمارك، خصوصاً بعد تجدد الاهتمام الأمريكي بالجزيرة وعودة ملف شرائها إلى الواجهة السياسية.
وتعود جذور الاستيطان البشري في غرينلاند إلى آلاف السنين، إذ عبر الإنويت من أمريكا الشمالية في موجات هجرة متعاقبة. وفي أواخر القرن العاشر الميلادي، وصل المستوطنون الإسكندنافيون بقيادة إريك الأحمر، وأسسوا تجمعات سكانية استمرت لعدة قرون قبل أن تتراجع وتختفي نتيجة التغيرات المناخية القاسية.ومنذ القرن الثامن عشر، خضعت الجزيرة للسيطرة الدنماركية المباشرة، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من الإصلاحات السياسية والإدارية في القرن العشرين.
وخلال الحرب العالمية الثانية، وُضعت غرينلاند تحت الحماية الأمريكية بعد احتلال الدنمارك، ثم أُعيدت إليها عقب انتهاء الحرب، غير أن الوجود العسكري الأمريكي استمر، لا سيما في قاعدة ثولي الجوية. وقد أثار هذا الوجود لاحقاً جدلاً واسعاً بين سكان الجزيرة، خاصة بعد الكشف عن تخزين أسلحة نووية وحوادث عسكرية خطيرة وقعت خلال فترة الحرب الباردة.
وفي سياق أوسع، لا تُعد غرينلاند حالة فريدة في التاريخ الأمريكي، إذ إن ما يقرب من 40 في المئة من مساحة الولايات المتحدة الحالية جاء نتيجة صفقات شراء من قوى استعمارية ودول أخرى. فمن صفقة لويزيانا مع فرنسا، إلى شراء فلوريدا من إسبانيا، وألاسكا من روسيا، وصولاً إلى جزر فيرجن في الكاريبي، شكّل التوسع عبر الشراء أحد المسارات الأساسية لبناء الدولة الأمريكية.
وبناءً على ذلك، فإن عودة اهتمام ترامب بغرينلاند لا يمكن فصلها عن هذا الإرث التاريخي الطويل، ولا عن التحولات الجيوسياسية والمناخية الراهنة، التي أعادت للجزيرة القطبية موقعها المتقدم في حسابات القوى الكبرى، وجعلتها مرة أخرى جزءاً من سباق النفوذ العالمي في القرن الحادي والعشرين.

  قد يهمك أيضــــــــــــــا

ترمب يحذر الهند من رفع الرسوم الجمركية بسبب مشتريات النفط الروسي

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلمح إلى عملية محتملة في كولومبيا

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

ملايين الحجاج يتوافدون إلى عرفات لأداء الركن الأعظم وسط…
الحجاج يتوافدون إلى عرفات لأداء ركن الحج الأعظم وسط…
واشنطن وطهران تتبادلان الحذر بشأن الاتفاق المرتقب وهرمز والنووي…
منى تستقبل ملايين الحجاج في يوم التروية وسط أكبر…
شهداء وإصابات بغارات إسرائيلية استهدفت خيام ومنازل في القطاع…

اخر الاخبار

الجيش السوداني يطارد عناصر الدعم حتى الحدود مع إثيوبيا
الحرس الثوري يحذر من رد "مشروع وحتمي" على الضربات…
مجلس الأمن الدولي يندد بالهجوم على محطة براكة النووية…
إسرائيل تعلن استهداف القائد الجديد لكتائب القسام في غزة

فن وموسيقى

سعد لمجرد يخرج عن صمته عقب إدانته في فرنسا…
سعد لمجرد يُحكم عليه بالسجن 5 سنوات في فرنسا…
عمرو دياب يتصدر عربياً ويقتحم قائمة أقوى الفنانين رقمياً…
أحلام تتألق في حفل دار الأوبرا المصرية وتحيي ليلة…

أخبار النجوم

تطورات جديدة في قضية فضل شاكر أمام المحكمة العسكرية…
هند صبري ترد على جدل كواليس مسلسل «مناعة» في…
عمرو دياب يواصل تحطيم الأرقام القياسية بقائمة «بيلبورد عربية…
مي عز الدين تكشف أصعب لحظات حياتها وعلاقتها بوالدتها…

رياضة

أشرف حكيمي يؤكد جاهزية منتخب المغرب لصناعة التاريخ في…
فيفا يتعهد بمساعدة المنتخب الإيراني للحصول على تأشيرات دخول…
ليونيل ميسي يثير القلق بعد إصابة عضلية قبل أسابيع…
محمد صلاح يصنع هدفًا ويغادر باكيًا وسط تصفيق جماهير…

صحة وتغذية

"الصحة العالمية" تحذر من انهيار القطاع الصحي في لبنان…
فيروس إيبولا يخرج عن السيطرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية
مستويات “طبيعية” من فيتامين B12 قد تخفي خطرًا صامتًا…
شرب الماء بانتظام يدعم استقرار ضغط الدم ويحافظ على…

الأخبار الأكثر قراءة

الجيش الأميركي يعلن استمرار الحصار على موانئ إيران ورفع…
عودة آلاف النازحين إلى جنوب لبنان بعد دخول وقف…
قلق في إسرائيل من وقف إطلاق النار مع لبنان…
وقف النار بين حزب الله وإسرائيل في لبنان بدأ…
الصومال يرفض تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي في إقليم "صوماليلاند"