الرئيسية » عالم الثقافة والفنون
المسجد النبوي الشريف

الرياض - المغرب اليوم

في كتاب من القطع الكبير باللون الأخضر نفتح صفحات عطرة من تاريخ المسجد النبوي القديم، يسجل بالصور جوانبه وأركاناً من زخارفه، وبلاطاته المزخرفة وقبابه التي تحيط بها كتابات من الخط العربي المذهبة. يعرج على المصلين يصورهم في أحوالهم المختلفة، يمر من خلفهم بينما يقرر صبي الالتفات للمصور بفضول. نراهم وهم يدخلون المسجد وكأنهم موج من الأشكال المغيمة وكأنهم موجة بحر تندفع لهدفها. صفحة وراء صفحة تأتينا الصور لتفتح أمامنا أبواباً ونوافذ داخل جنبات المسجد القديم، ندلف عبر باب النساء ونقف أمام القبلة والمكبرية، حيث يقف المؤذن في انتظار إطلاق ندائه للمصلين. يحمل الكتاب اسم «الأغوات» وبالإنجليزية يترجم لـ«الحراس»، ويبدأ بالفعل بصور لأحدهم وهو يرتدي زيه التقليدي، ويبدو الكتاب كشخص استأذن من حراس المسجد للدخول يسجل وجودهم وطقوس ملبسهم، ثم يتركهم جالسين على منصتهم الخاصة ويدور حول المكان الذي يعرفونه كباطن أيديهم.

الكتاب للمصور السعودي عادل القريشي الذي سجل صوراً لآخر جيل من الأغوات في الحرم المدني. الذي أكد أن كتابه «الأغوات» ليس عنهم، بل عن عالمهم. يقول «الأغوات ليسوا هم موضوع الكتاب الأساسي، الموضوع هو المسجد القديم، أرى أنه موضوع ثري للكتب وللتصوير ولا يعبر عنه كتاب واحد... هو رحلة داخل عالمهم الذي عاشوا فيه سنوات عمرهم». يفتتح الكتاب كما يختتم بصور لأحدهم جالساً بكامل زيه الأنيق ناظراً إلى الكاميرا بثبات، تحمل نظرته الكثير، لكن لن نستطيع الوصول لعمقها؛ فالأغوات عالم مغلف بغلالة من الصمت والرفعة. ويبدو أن الأغوات هم حراس الكتاب تماماً كما هم حراس الحجرة النبوية.

القريشي عرض صور الأغوات في عام 2014 ضمن معرض «حروف وإضاءات» الذي أقيم في المدينة المنورة، وكانت الصور جزءاً من تكليف أمير المدينة المنورة الأمير فيصل بن سلمان، لتوثيق وجودهم؛ فهم حالة خاصة في تاريخ الحرم في طريقها للاختفاء مع كبر أعمارهم ووفاة الكثيرين منهم. عادل القريشي تقبّل تكليف الأمير فيصل بن سلمان، له وغزل ألبوماً مصوراً للأغوات بحب وشغف ظهر جلياً في كل صورة من تلك الصور الضخمة التي شغلت أذهان وأبصار زوار المعرض حينذاك، وعرضت لاحقاً في أكثر من معرض، ودخل عدد منها في مجموعة المتحف البريطاني.

يجب القول بأن الأغوات في طريقهم للاندثار، أسأله عن عددهم الآن «آخر مرة تحدثنا عن الأغوات كان عددهم في تناقص»، يجيبني «كان عددهم عشرة عندما صورتهم لأول مرة وتبقى الآن خمسة فقط». يشير إلى أنهم توقفوا عن مهامهم بسبب كبر سنهم وحالتهم الصحية «عدد قليل جداً يحضر للمسجد للصلاة فقط».أسأله إن كانت الصور المخصصة للأغوات في الكتاب هي حصيلة جولة التصوير الأولى، ويشرح لي «قمت بجولتي تصوير وعرضت نتاج الجولة الأولى في معرض (حروف وإضاءات) في المدينة، وبعدها صورت مرة واحدة داخل حجرة الأغوات في الحرم». يشير إلى أن الصور في الكتاب استغرقت سبع سنوات، ويعلق «أعتقد أن العمل ناضج لهذا السبب». ويثبت الكتاب ذلك؛ فالصور التي تأخذ الأبصار والأنفاس شاملة لعالم الأغوات، كل تفاصيل المسجد القديم أمامنا نستطيع تخيل عملهم هنا ونشمّ رائحة البخور وماء الورد الذي كانوا يعطرون به المسجد والحجرة النبوية ونسمع صوت المفاتيح التي يعلقها أحدهم حول رقبته.

ويضيف، أن مفاتيح الحجرة هو الشيء الوحيد المتبقي معهم. يأخذني ذلك لصور مفتاح الحجرة النبوية وأعلق بأنها صور لها سحر خاص، ويرد بأن المفاتيح تظهر للمرة الأولى للعامة من خلال الصور. فحسب قواعد عمل الأغوات والتي يشير لها القريشي في مقدمة الكتاب، فهناك تنبيه بألا يرى المفتاح أحد غير حامله، كيف تمكن إذن من إقناع حامل المفتاح بالتصوير؟»، يجيب «قضيت ثلاث سنوات أحاول إقناعهم بالسماح لي بالتصوير، وفي النهاية وافقوا على شرط أخذ إذن رئاسة الحرمين الشريفين وهو ما حدث».

خزف ملون ولوحة زيتية

مع كل صورة في الكتاب نرى لمحات من الزخارف والفن تزين أرجاء المسجد، فهنا لوحات طويلة من خزف إزنيك الشهير الملون، وفي صورة أخرى نرنو إلى قبة تتناثر داخلها النوافذ الزجاجية الملونة البديعة، وفي أخرى نرى تفاصيل الرخام أو الثريات العتيقة التي تحمل آيات من القرآن. أسأله «كم أخذ منك وقتاً للعثور على كل هذه التفاصيل؟»، يقول «الموضوع أخذ مني 7 سنوات، لكن ليست متصلة. استطعت أن أوثق تغييرات في الحرم، فالمسجد كائن حي يتغير دائماً، فعلى سبيل المثال أقوم بالتقاط صورة لجانب معين لأجد بعدها بفترة أن يد التجديد مرّت عليه، وبالتالي تصبح صورتي بمثابة تسجيل وتوثيق. على سبيل المثال، في حائط القبلة تمت إزالة مجموعة من الأرفف الخشبية التي كانت تستخدم لحفظ المصاحف وعثر خلفها على لوحات بديعة من الخزف، استطعت تصويرها قبل ترميمها، ولكن من خلف غطاء من البلاستيك».

أسأله عن النوافذ الزجاجية الملونة في إحدى القباب، هل توجد معلومات عنها وتاريخها؟، يقول «لا أعرف، ولكن من المؤكد أن هناك معلومات عند رئاسة الحرمين الشريفين. وللعلم النوافذ الزجاجية الملونة ليست موجودة بكثرة في المسجد، فقط في منطقتين». أشير إلى أن هناك جوانب في زخارف المسجد تثير الفضول لمعرفة تاريخها، يقول «أتفق معكِ، هي ثروة حقيقية، أرى أن المسجد القديم تحفة فنية متكاملة فكل المجهودات التي تعاقبت على ترميم وتزيين المسجد كانت تضيف لمسات جمالية مختلفة تتسق سوياً بشكل جميل».

تلفتني في إحدى الصور لوحة زيتية معلقة على حائط من الرخام الملون، تصور الحرم المكي قديماً، أسأله عن اللوحة وتاريخها، ويقول إنه لا يعرف تاريخها «لست أكاديمياً وكتابي ليس كذلك». ويمضي قائلاً «اللوحة استوقفتني كثيراً، لأني وجدت أن ديكورات وزينة المسجد النبوي مبنية على شيئين، إما آيات قرآنية أو زخارف متكررة، مثلاً سورة الكهف مكتوبة بأكملها في القبب، وفي الخزفيات نقشات متكررة لأفرع نباتات وزهور وتتكرر. ومع ذلك، فهذه اللوحة المرسومة الوحيدة في المكان، وهذا ما أثار تساؤلي، إلى أن انتبهت (وهذا رأيي الشخصي) أن موقع اللوحة في ظهر الحجرة النبوية وأعتقد أن وجود صورة للكعبة مقصود حتى لا يفتن المصلي بالحجرة وأن عليه تذكر أنه يصلي لله عز وجل».

تظل اللوحة لغزاً حتى اللحظة ونتناقش حول كونها من القماش أم لا، وعن الرسم نفسه والذي يبدو من المنظور الذي نفذ به على أنه قديم جدا.ًإلى جانب صور الأغوات الشخصية نرى في الكتاب صوراً لمصلين من مختلف أنحاء العالم، يختلفون في أشكالهم وأعمالهم وفي ملابسهم، ينظرون للكاميرا مباشرة ويسجلون حضورهم الخاص، يقول لنا المصور إنه حرص على استئذان كل شخص صوره، ويضيف «ما جذبني لمشروع الأغوات هو أنني سأصور بورتريهات، فعندي شغف وعشق لهذا النوع من التصوير».

وقد يهمك ايضا:

السعودية تتخذ إجراء عاجلًا لحماية زوار المسجد النبوي

رئاسة المسجد النبوي تنفي ما تم تداوله من أنباء عن فتح المسجد والصلاة في الحرم القديم

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

مجموعة واسعة من المخطوطات العربية النادرة على منصة مانشستر…
تقديرات فلكية تشير إلى أن أول أيام رمضان 2026…
وزارة الأوقاف المغربية تعلن الأربعاء 21 يناير فاتح شهر…
المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية 2976
لقاء فني يجمع بين القفطان المغربي وفن سلفادور دالي…

اخر الاخبار

إيران تطلق أكبر دفعة صواريخ على إسرائيل وانذارات في…
إصابة 25 شخصًا جراء سقوط شظايا صاروخية في وسط…
الدفاعات الإماراتية تحبط هجوماً إيرانياً بـ8 صواريخ باليستية و36…
إسرائيل توقف شراء السلاح من فرنسا وسط توتر في…

فن وموسيقى

ريهام عبد الغفور تتصدر تكريمات مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية
دينا الشربيني تقدم تجربة غنائية جديدة مع المطرب "أبو"…
يسرا اللوزي تتحدث عن سعادتها بلقب أم البنات وتكشف…
ريهام عبد الغفور تكشف رأيها حول ردود فعل الجمهور…

أخبار النجوم

منة شلبي تتعاقد على مسلسل "عنبر الموت"
عمرو دياب يشوّق جمهوره لظهوره الأول علي مسارح تركيا
تكريم أحمد حلمي فى مهرجان جامعة عفت السينمائي
مهرجان هوليوود للفيلم العربي يكرم ريهام عبد الغفور بجائزة…

رياضة

إنفانتينو يطالب إيران بالمشاركة في كأس العالم
السكتيوي يراهن على التجربة المغربية لبناء مشروع متكامل وتطوير…
رياض محرز يواصل التألق مع المنتخب الجزائري رغم بلوغه…
سابالينكا تدافع بنجاح عن لقب بطولة ميامي للتنس بفوز…

صحة وتغذية

تناول نفس الوجبات يوميًا يُساعدك على فقدان الوزن بسرعة…
الزهايمر يبدأ بصمت التعرف المبكر على الأعراض يمنح فرصة…
كوب حليب يوميًا قد يقلل خطر الإصابة بالسكتة الدماغية…
تناول اللحوم باعتدال قد يبطئ التدهور المعرفي لدى فئات…

الأخبار الأكثر قراءة

معرض دمشق الدولي للكتاب يعود عقب سقوط الأسد بعناوين…
تسرب مائي بجناح الموناليزا في اللوفر واللوحة الشهيرة تنجو
جدل "خريف الكتاب" يشعل النقاش حول مستقبل القراءة في…
مجموعة واسعة من المخطوطات العربية النادرة على منصة مانشستر…
تقديرات فلكية تشير إلى أن أول أيام رمضان 2026…