الرئيسية » عالم الثقافة والفنون
المغربي محمد وقيدي

الرباط - المغرب اليوم

بعد مسار مديد من البحث والتّأطير، يرحل عنّا الأكاديمي محمد وقيدي، الذي يُعَدّ من أبرز الباحثين في فلسفة العلوم في العالم العربي. وارتبط اسم محمد وقيدي بكتابه "فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار". وقد قرّب هذا الكاتب المغاربة والقارئين بالعربية من الإبستمولوجيا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، بكتب من بينها على سبيل المثال لا الحصر "ما هي الإبستمولوجيا؟"، وهو الهمّ البحثيّ الذي ظلّ حاضرا في مؤلَّفاتِه المتأخّرة "الإبستمولوجيا التكوينية في فلسفة العلوم"، و"الإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجيه".

ولم يكتف وقيدي بحمل الهمّ الفلسفي النّظري، بل كانت له مجموعة من المؤلّفات عن قضايا المغرب، وتاريخه، ومعيقات النّهضة العربية، ومشاكل العالَم اليوم، ومقالات تُتابع وتُشرّح شؤون المغرب، والعالم العربي، والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، والعالم المعاصر.

وفي سنوات عيشه الأخيرة، ظلّ الأكاديمي وقيدي حاضرا محاضِرا، ومتدخّلا، وكاتبا، ومعرّفا بمحطّات حياته الأكاديمية، وإنتاجاته، ومجموعة من المؤلّفات التي أثارت انتباهه في المشهد البحثيّ، ومسار مجموعة من الشخصيات الثقافية البارزة التي عرفها.

غزارةُ إنتاج

وقال سعيد بنسعيد العلوي، أكاديميّ مفكّر عميد سابق لكليّة الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، إنّ محمدا وقيدي قد تميّز بغزارة في الكتابة، و"كان يكتب بسهولة، ودبّج بين مرحلة السلك الثالث والدكتوراه عددا كبيرا من المقالات والدّراسات التي ستُجمَع وتصير كتبا".

ويزيد الأكاديمي: "التقيتُه وعمر كلينا ثمانية عشر عاما، ودرسنا في التعليم الجامعي أربع سنوات منذ سنة 1964، ودرسنا على مجموعة من الأساتذة في القسم العربي لشعبة الفلسفة؛ من بينهم أساتذة شباب مثل علي أومليل، ومحمد برادة، وأحمد المعداوي، ومِن أساتذة الفلسفة كان محمد عزيز الحبابي المغربيّ الوحيد، وكان من مصر نجيب بلدي، ومن سوريا حكمت هاشم".

ويضيف سعيد بنسعيد: "كنا طلبة ننتمي إداريا إلى المدرسة العليا للأساتذة، في النظام القديم، رغم دراستنا في كلية الآداب، وتخرجنا مدرسين في الثانوي، ذهبت إلى مكناس ووقيدي ذهب إلى فاس، وبعد سنتين أو ثلاث صرنا، كِلانا، في ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء سنة 1971، في فترة شديدة وعسيرة من تاريخ المغرب تعرّضت فيها الفلسفة لهجمة كبيرة".

ويتذكّر سعيد بنسعيد العلوي مباريات توظيف المساعدين في سنة 1975، التي التحق فيها هو والفقيد محمد وقيدي وآخرون بكلية ظهر المهراز بفاس، بعدما تخرّجوا بالإجازة، واستمرّوا في استكمال دراستهم في تاريخ الفلسفة وشهادة الدّروس المعمقة، مرة أو مرتين أسبوعيا بالرباط، ثم حضروا دبلوم الدراسات العليا، الذي يعادل اليوم السّلك الثالث، كلّ في مجاله.

ويقدّم الأكاديمي سعيد بنسعيد صورة وافية عن المشهد الأكاديمي في جيله: "كان محمد وقيدي يشتغل على غاستون باشلار، وسالم يفوت كان يشتغل على النّزعة التجريبية في الفلسفة، وكنتُ أشتغل على الفكر السياسي عند الماوردي، وجمال الدين العلوي كان يشتغل على ابن رشد، ومحمد المصباحي كذلك، ومحمد سبيلا كان يشتغل على الفلسفة المعاصرة، وطه عبد الرحمن كان يشتغل على المنطق، وكنا قليلين، وكان قبلنا بسنتين محمد مصطفى القباج وربيع مبارك".

ويزيد الأكاديميّ: "هؤلاء مَن تكوَّنوا بالتّكوين، مِن خلال الدّروس التي كنّا نقبل عليها لأوّل مرّة سواء في الثانوي الذي كان مقرّره واسعا، أو في الكلية، حيث لم نكن ننتبه إلى الأسبوع كيف يمرّ"، وهذا الجيل أسهم في "تأسيس الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، وكنّا نشارك في ندوات متعدّدة، ولما التحقنا بالكلية، صرنا نعرف الكتابة في الجرائد والمجلات، وشاركت مع وقيدي في عدد من اللقاءات بعواصم عربية كثيرة"، ثم "أعددنا رسائلنا في الدكتوراه كلّ في مجاله"، لتأتي بعد ذلك المرحلة التي صار فيها هذا الجيل "مؤطّرا للرّسائل الجامعية ومشاركا في الساحة".

وبعد التّفصيل في هذا المسار البحثي لجيل من الأكاديميين البارزين في العطاء الفلسفي بالمغرب والعالَم العربي، الذي كان من أعمدته محمد وقيدي، يرى سعيد بنسعيد أنّ من الأمور الواجب تأكيدُها عند الحديث عن الفقيد أنه "كان يمتاز بدماثة خلق، ولطف، وحب للخير، وكان حيّيا، حلو الشمائل، لطيف المعشر".

"مكتبة إبستمولوجية متكاملة"

يذكر محمد المصباحي، أكاديميّ مفكّر مغربي، أنّ الفقيد محمدا وقيدي قد خلّف "كثيرا من الأعمال الإبستمولوجية، التي يمكن القول إنّه دشّن القول فيها في العالَم العربيّ"، ويزيد: "بالنسبة للمغرب، فقد اهتمّ وقيدي بتاريخه، واهتمّ بإبستمولوجية هذا التاريخ، وإبستمولوجية الممارسة السياسية".

ويصف المصباحي تجربة محمد وقيدي قائلا إنّها "مسيرة حافلة يلتقي فيها العلمي والإنساني والشخصيّ"، فقد كان "رجلا فذّا لا يُعوَّض، حقيقة، من حيث دماثة الخُلُق والبذل، ومن حيث خدمة الغير والانفتاح ومحبّة الجميع، حتى مِمّن يكنّون له العداوة الثّابتة، فلم يكن يحفل بهم، وكان ينوّه بهم في المناسبات"، بـ"روح ملائكية، في هذا الباب، لا يستطيعها الإنسان الذي يمشي على الأرض".

ويضيف الأكاديميّ: "رغم أنّني كنت أسبقه بسنة في الكلية، توطّدت العلاقة بيننا، وأصبحنا أصدقاء، ثم التقينا في ما بعد بفاس عندما كان يدرّس هناك، فالرباط بعد ذلك، عندما انتقلت إليها للتّدريس".

ويعود الأكاديمي محمد المصباحي إلى فترة الدراسة في جامعة محمد الخامس بالرباط، مستحضِرا تعرّفه على محمد وقيدي الشّاب، على مستويات عديدة، وما أثارته فيه "قدرته على إشاعة الحبور والبهجة في أيّ محيط وُجد فيه، وقدرته على إثارة النّقاش، وإحداث المبادرات".

ويؤكّد المفكّر المغربيّ أنّ كتابات الفقيد محمد وقيدي قد لقيت "صدى كبيرا في مختلف أقطار الوطن العربي من الجزائر إلى العراق"، قبل أن يجمل قائلا: "له محبّون بالمعنى القويّ للكلمة، بحكم دماثة خلقه، وقابلية كتابته للقراءة، والفهم، والاستيعاب، والتواصل مع الجمهور بمختلف أنواعِه".

قد يهمك أيضــــــــــــــــًا :    

صحافي افتراضي يكتب مقالات باستخدام "الذكاء الاصطناعي"   

عمر حنيش يؤكّد أن "كورونا" تحدّى الجامعة ومستقبل التعليم عن بعد مضمون

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

علماء آثار يوضحون طبيعة الوثائق المصرية المتضررة في متحف…
المتاحف في الإمارات بوابة واسعة إلى تاريخها وثقافتها وإرثها…
برنامج "دولة التلاوة" يثير اهتمامًا واسعًا وجدلاً حول إسناد…
السدو حرفة سعودية عريقة تجسد ذاكرة البادية وتراث الجزيرة…
تصاعد الدعوات لتشديد الرقابة على المتحف المصري الكبير بعد…

اخر الاخبار

شوكي يطلق حملته لخلافة أخنوش بجولة تواصلية بمختلف مدن…
غارات إسرائيلية تعيد أجواء الحرب إلى قطاع غزة وتسفر…
سوريا وإسرائيل تستعدان لاستئناف محادثات أمنية وسط صراع النفوذ…
إنتخاب السفير المغربي عمر هلال رئيساً للجنة بناء السلام…

فن وموسيقى

نيللي كريم تعيش صراعًا نفسيًا غامضًا والملامح الأولى لأحداث…
ماغي بوغصن تكشف تطور الدراما اللبنانية وتروي صعوبات طفولتها…
المغربية دنيا بطمة تكشف كيف غيّرتها تجربة السجن وتروي…
يسرا اللوزي تكشف كواليس مثيرة عن تعامل المخرج يوسف…

أخبار النجوم

إياد نصار يكشف وجوه الاحتلال الإسرائيلى فى صحاب الأرض
محمد هنيدي يخوض تجربة كوميدية في رمضان 2026
شريف منير يعود للسباق الرمضانى 2026 بمسلسل رجال الظل…
شمس البارودي تكشف كواليس اعتزالها الفن ومواقف جمعتها بحسن…

رياضة

محمد صلاح يطارد رقم مايكل أوين في مباراة ليفربول…
بيليه يتصدر قائمة أكثر 10 لاعبين تسجيلاً للأهداف قبل…
غوارديولا بالكوفية الفلسطينية يهاجم الصمت الدولي ويؤكد التضامن العملي…
صلاح يعادل رقم كاراجر القياسي في دوري أبطال أوروبا

صحة وتغذية

7 ممارسات تدعم الصحة النفسية وتعزز المرونة
5 مشروبات تُحافظ على رطوبة جسمك في الجو البارد
إرتفاع ضغط الدم المرتفع قد يكشف اضطرابات الغدد الصماء…
التدخين قبل سن العشرين يزيد خطر الإصابة بالسكتة الدماغية

الأخبار الأكثر قراءة

السيدة الأولى في العراق تزور منزل عاشت فيه آجاتا…
علماء آثار يوضحون طبيعة الوثائق المصرية المتضررة في متحف…
المتاحف في الإمارات بوابة واسعة إلى تاريخها وثقافتها وإرثها…
برنامج "دولة التلاوة" يثير اهتمامًا واسعًا وجدلاً حول إسناد…
السدو حرفة سعودية عريقة تجسد ذاكرة البادية وتراث الجزيرة…