الرئيسية » عالم الثقافة والفنون
تعبيرية

القاهرة - المغرب اليوم

رحل عن عالمنا، في الساعات الأولى من فجر اليوم السبت، الروائي المصري رؤوف مسعد، عن عمر يناهز 88 عاماً، بعد رحلة أدبية حافلة، ومسيرة إنسانية مليئة بالتحولات والمفارقات، يتجاور فيها الأدب بالسياسة، والحرية والاعتقال، والهوية الدينية المحافظة والآيديولوجيا الشيوعية، فضلاً عن التنقل بين بلدان عدة.

كان الراحل نموذجاً للهويات المتعددة والمتداخلة، فرغم أنه مصري الجنسية، فقد حمل أيضاً الجنسية الهولندية، حيث استقر في هولندا نحو ثلاثين عاماً، وتزوج هولندية، كما أنه سوداني الهوى والمزاج، فقد قضى في السودان سنوات طفولته الأولى، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارسها، قبل أن يعود مع أسرته ليلتحق بإحدى المدارس الثانوية في محافظة أسيوط في صعيد مصر. وقد دوَّن مسيرة حياته المثيرة في كتاب «لما البحر ينعس: مقاطع من حياتي»، بمراجعة وتقديم الروائي المصري يوسف فاخوري.

وُلد مسعد في السودان عام 1937، لأبوين مصريين، حيث كان أبوه قساً في إحدى الكنائس هناك، ونذرته أمه لأن يكون قسيساً أيضاً، لكن نداهة الحياة اختطفته ليغادر المسار الذي رسمته أمه له، ويندمج في العمل السياسي المعارض، واعتنق الآيديولوجيا الشيوعية، وضبط أثناء دراسته في المرحلة الثانوية وهو يوزع منشورات شيوعية، وسرعان ما التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة ليدرس الصحافة، وتخرج في عام 1960، وفي نفس هذا العام اعتقلته السلطات بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي، وقضى في سجن الواحات عدة سنوات كانت فارقة في مسيرته بعد ذلك، إذ تعرف في السجن على الروائي الراحل صنع الله إبراهيم، الذي ظل رفيق مسيرته بعد ذلك لسنوات طويلة، وبعد خروجهما من المعتقل كتبا معاً، ومعهما السياسي «كمال القلش»، كتاب «إنسان السد العالي».

بعد خروجه من السجن، تنقل لمدة 12 عاماً بين بلدان عدة، كانت أشبه بمنافٍ اختيارية خوفاً من تكرار تجربة السجن، ففي عام 1970 انتقل إلى وارسو، حيث درس الإنتاج المسرحي وتزوج، بعد أن أنهى دراسته، وعاش في بولندا خمس سنوات، زار خلالها العديد من البلدان السوفياتية. انتقل بعد ذلك إلى العراق، وعمل هناك في مؤسسة السينما والمسرح، وكتب مسرحيتين أثناء إقامته في بغداد. بعد ذلك، وفي عام 1979، غادر إلى لبنان، وعمل صحافياً في عدة صحف بيروتية، منها جريدة «السفير»، وفي عام 1982 عاد إلى بيته فوجد رصاص الحرب التي نشبت في بيروت اخترقت جدران غرفته، وتحديداً في المكان الذي اعتاد على أن يجلس فيه، فقرر على الفور أن يعود إلى مصر، ولم يكن له فيها بيت، فعاش في شقة صنع الله إبراهيم، رفيق السجن في الستينيات، وفي هذه الشقة كتب أول كتبه «صباح الخير يا وطن»، عن تجربة الحصار والخروج من بيروت، واستوحى عنوانه من جملة سمعها من سائق تاكسي ذات يوم في العاصمة اللبنانية.

مع مطلع التسعينيات انتقل إلى هولندا، ليجد فيها أخيراً مستقراً له، بعد طول تنقل بين الدول العربية والغربية، وبعد حياة عريضة من «الصعلكة»، وقال - في حوارات سابقة وشهادات أدبية له - إنه شعر في هولندا للمرة الأولى أن له بيتاً، ولا يعيش في غرف مستأجرة لا تخصه ولا يمكنه تغيير شيء فيها، وأصبح بإمكانه أخيراً اختيار ألوان الستائر.

رغم انتقال رؤوف مسعد في هجرة اختيارية إلى أمستردام، وإقامته بشكل كامل هناك، لم يتوقف دور صنع الله إبراهيم في حياته، فهو الذي شجعه بعد ذلك على كتابة ومراجعة وتنقيح روايته الأولى والأشهر بين أعماله الروائية «بيضة النعامة»، التي استغرقت كتابتها أكثر من ثمان سنوات، وظل عاماً كاملاً ينقح فيها ويحذف منها، وكان متخوفاً من نشرها، حتى صدرت تقريباً رغما عنه، فقد كان يعتقد أنها لا تصلح للنشر، فأرسلت زوجته الهولندية المخطوط للناشر رياض الريس أثناء سفر مسعد، بعد أن اتفق صنع الله مع الدار على نشرها، وصدرت بالفعل في عام 1994، وكان عمره وقت صدورها 57 عاماً، لذا بدأ رؤوف مسعد مشروعه الروائي الحقيقي متأخراً، وهو في الخمسينات من عمره، على غرار أدباء كبار في العالم، أشهرهم ساراماجو. لكنه، رغم هذه البداية المتأخرة، وضع بصمة مهمة في المشهد الروائي العربي، ومنذ تلك اللحظة أدرك أنه نذر الباقي من حياته للأدب، وإن ظلت الشيوعية تمثل مرجعية سياسية وآيديولوجية تسكن في خلفية رأسه، وتوالت بعد ذلك أعماله الروائية والقصصية، التي كانت مسكونة بهاجس البحث عن الحرية والعدالة الاجتماعية، ومن هذه الأعمال «مزاج التماسيح» و«في انتظار المخلص» و«صانعة المطر وحكايات أخرى»، و«إيثاكا»، و«الغرباوية» و«غواية الوصال» و«زجاج معشق» و«زهرة الصمت».

امتازت أعمال رؤوف مسعد بقدر كبير من الجرأة، سواء فيما يتعلق بمعالجة الموضوعات الجسدانية «الأريوتيكا»، كما في روايتيه «بيضة النعامة» و«إيثاكا»، أو الجرأة في طرح كثير من تجاربه الشخصية في أعماله، إذ كان ينطلق مما هو ذاتي إلى قضايا كبرى، مثل كتابته في روايته الأولى عن علاقته بأبيه القس، وإقامتهم في السودان، كما كانت لديه جرأة جمالية على هتك حدود النوع الأدبي، فالرواية عنده ليست تقليدية ذات حبكة محددة، من بداية ووسط ونهاية، بل عملية دائمة من المونتاجات، وهذا ما صرح به في أكثر من حوار سابق. وظلت رواياته دائماً مثيرة للجدل من فرط اقتحامها لمناطق شائكة. كما أنه من الأدباء القلائل الذين كتبوا سيرتهم الذاتية بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وبقدر كبير من التحرر.

تناولت الكثير من الأبحاث الأكاديمية والكتب النقدية أعماله الروائية، وكان أحدثها كتاب «في مرايا السرد» للشاعر جمال القصاص، الذي قدم في هذا الكتاب قراءة لرواية «زهرة الصمت» أشار فيها إلى أنه يبحث في هذه الرواية عن المهمش والمسكوت عنه في الشخصية المصرية بكل تعرجاتها وامتدادها في الزمان والمكان، من خلال اللعب على حافة التاريخ والأسطورة، رابطاً بين الماضي والحاضر كأنهما ظلان لأشياء انقضت وأشياء تأتي، أو كأن الأسطورة والتاريخ حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي في النهاية حرية الوطن والإنسان معاً.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

رؤوف مسعد : يجب تجميد جوائز الدولة لحين اختيار لجان محايدة

رحيل صوت الحرية في الأدب العربي المصري صنع الله إبراهيم عن عمر 88 عامًا المتمرّد الذي ظلّ وفيًا للكتابة

 

 

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

مجموعة واسعة من المخطوطات العربية النادرة على منصة مانشستر…
تقديرات فلكية تشير إلى أن أول أيام رمضان 2026…
وزارة الأوقاف المغربية تعلن الأربعاء 21 يناير فاتح شهر…
المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية 2976
لقاء فني يجمع بين القفطان المغربي وفن سلفادور دالي…

اخر الاخبار

مدير الاستخبارات الأميركية يكشف عن عملية تضليل لإرباك القوات…
روسيا تزود إيران بقائمة أهداف للبنية التحتية للطاقة في…
24 نائبًا ديمقراطيًا في الكونغرس يدعون إلى عزل ترامب
8 قتلى بغارة إسرائيلية على مدينة صيدا في جنوب…

فن وموسيقى

سعد لمجرد يحتفل بعيد ميلاده وسط أجواء عائلية ورسالة…
حسين فهمي يخوض تجربة سينمائية جديدة في فيلم صيني…
الفنان راغب علامة يقترب من طرح أعمال غنائية جديدة
ريهام عبد الغفور تتصدر تكريمات مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية

أخبار النجوم

محمد رمضان يُثير الجدل بشأن مشاركته في دراما رمضان…
يوسف الشريف يكشف اسمه الحقيقي والسبب وراء تغييره
سعد لمجرد يبدأ تصوير أول أعماله في التمثيل بمصر
داليا مصطفى تؤكد أن مسلسل روج أسود ساهم في…

رياضة

رونالدو وميسي يتصدران قائمة أعظم نجوم دوري أبطال أوروبا
سابالينكا في صدارة تصنيف سيدات التنس للأسبوع 77 توالياً
هالاند يتصدر قائمة النجوم الأغلى في الدوري الإنجليزي
محمد صلاح يزين قائمة أفضل 10 أجنحة في القرن…

صحة وتغذية

مركب دوائي جديد يبطئ نمو سرطان القولون والكبد عبر…
منظمة الصحة العالمية توقف الإجلاء الطبي من غزة بعد…
نصائح لتناول الزبادي لتعزيز البروبيوتيك والبروتين
علماء روس يبتكرون فئة جديدة من الأدوية لـ"نزع سلاح"…

الأخبار الأكثر قراءة

الخطيب يحصد ثلاث جوائز دولية عن فيلمه الوثائقي أسوأ…
معرض دمشق الدولي للكتاب يعود عقب سقوط الأسد بعناوين…
تسرب مائي بجناح الموناليزا في اللوفر واللوحة الشهيرة تنجو
جدل "خريف الكتاب" يشعل النقاش حول مستقبل القراءة في…
مجموعة واسعة من المخطوطات العربية النادرة على منصة مانشستر…