الرئيسية » أخر الأخبار العربية و العالمية
ميليشيات الحوثي

عدن ـ عبدالغني يحيى

درجت الجماعة الحوثية منذ ظهورها على مسرح الأحداث في اليمن وتدحرجها من صعدة شمالا للانقلاب على الشرعية وإسقاط العاصمة صنعاء، وصولا إلى اللحظة الراهنة على اتباع أكثر من تكتيك وأداة للمناورة وكسب الوقت ويأتي في مقدمها إدمان الجماعة على الإجراءات الأحادية في المسار التفاوضي. 

ويعتقد سياسيون ومراقبون يمنيون أن الجماعة الموالية لإيران، اتخذت من هذا الإدمان على التدابير الأحادية الجانب وسيلة للوصول إلى منطقة رمادية، لتخدير المجتمع الدولي بأنها تريد الالتزام، وفي الوقت نفسه ملاذا للتملص من تنفيذ الاتفاقات مع الحكومة اليمنية (الشرعية) أو الالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأزمة اليمنية.

 وباعتبار اتفاق «استوكهولم» أول اختبار حقيقي لمصداقية الجماعة منذ مشاورات السويد نهاية العام 2018 والذي أثبت عدم رغبتها لإنجاز مقدمات السلام، كانت الفرصة المناسبة لتلجأ الجماعة إلى «تكتيك» الإجراءات الأحادية، من خلال إعلانها الانسحاب الأحادي الصوري من موانئ الحديدة الثلاثة، وهي الحيلة التي لم تنطل على الشرعية أو التحالف الداعم لها لكنها منحت الجماعة الكثير من الوقت للمناورة وإعادة ترتيب صفوفها ومن ثم إرباك المساعي الأممية لاستكمال تطبيق الاتفاق المتعثر.

هذه الاستراتيجية الحوثية لم تتوقف أبدا، فبعد أن زعمت أنها هي التي قامت بتنفيذ أوسع الهجمات على المنشآت السعودية التابعة لشركة أرامكو، سارعت إلى عرض مبادرة أحادية تهدف إلى امتصاص الغضب الدولي والإقليمي الناتج عن هذه الهجمات عبر إعلانها عن مبادرة لوقف الهجمات من جانب واحد وهو العرض الذي لقي على الفور تعليقا أمميا متفائلا.

ورغم أن «اتفاق استوكهولم» كان أحد فروعه الثلاثة خاصا بتبادل الأسرى والمختطفين بين الجماعة والحكومة الشرعية إلا أن الجماعة عرقلت كل الخطوات الرامية إلى تنفيذه، ولجأت إلى تقديم مبادرة أحادية أطلقت خلالها نحو 270 مختطفا (وليس أسرى أو مقاتلين) من المدنيين في معتقلاتها، ثم سخرت أدواتها الإعلامية للتسويق لهذا الإجراء الأحادي بصفته رسالة على مصداقية الجماعة ورغبتها لتنفيذ الاتفاق وإلقاء اللوم على الحكومة الشرعية.

وحتى بعد نجاح رئيس البعثة الأممية في الحديدة الجنرال الهندي أبيجهيت غوها في تنفيذ نشر خمس نقاط مشتركة لمراقبة وقف إطلاق النار، لم يرق للجماعة البناء على هذا التقدم المشترك فذهبت من اليوم التالي في استحداث مواقع عسكرية قرب النقاط وحفر الخنادق قبل أن تلجأ أخيرا إلى شن هجمات واسعة على القوات المشتركة ومقر الفريق الحكومي في مدينة المخا، في سياق سعي الجماعة لإفشال التقدم الطفيف.

هذه الاستراتيجية الحوثية، بقدر ما تعتقد الجماعة أنها نجحت في منحها المزيد من الوقت، أثبت للمراقبين المحليين والدوليين النوايا الخفية التي تنطلق منها الجماعة لإطالة أمد الحرب والاستمرار في تجريف الهوية اليمنية في مناطق سيطرتها ابتداء من التعليم ثم الاقتصاد وصولا إلى مراتب متقدمة من عملية «حوثنة المجتمع» مع ما يعنيه ذلك من تثبيت أقدام الجماعة وترسيخها في الأجزاء الشمالية البلاد.

ولعل تصريحات قادة الجماعة الأخيرة تثبت من غير شك أنها ليست مستعدة للسلام ولا لتحقيق أي اتفاق شامل ينهي الانقلاب ويعيد المسار الانتقالي في اليمن إلى وضعه الطبيعي، فهي تعلن صراحة أنها ترضخ لقرار مجلس الأمن 2216 وأنها تتمسك بوقف العمليات العسكرية لتحالف دعم الشرعية وفتح الأجواء اليمنية والموانئ أمامها والاعتراف بها كسلطة أمر واقع والتسليم بشروطها هي وليس بشروط الشرعية أو المجتمع الدولي.

وفي هذا السياق صرح وزير دفاع الجماعة محمد العاطفي أمس(الخميس) مطلقا تهديدات جديدة تتناقض مع ما كانت الجماعة أعلنته من سعي للتهدئة الأحادية، حيث قال «إن الحرب الحقيقية» بين الجماعة وبين تحالف دعم الشرعية الذي تقوده السعودية لم تبدأ بعد.

ولم يقتصر التهديد فقط باستئناف الهجمات الإرهابية على الأعيان المدنية السعودية فقط، ولكنه شمل أيضا كما يفهم من تصريحات العاطفي التي نقلتها عنه الوسائل الرسمية للجماعة التهديد باستهداف الاقتصاد العالمي والأمن القومي الإقليمي، حيث لوح باستهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر زاعما أن الأمن القومي العالمي وخاصة في الجانب الاقتصادي مرهون بمنح جماعته أمنها الاقتصادي، مشيرا إلى «أن المصالح القومية الدولية وخاصة الاقتصادية ستتضرر أكثر مما يتصوره البعض» في حال استمرت العمليات العسكرية ضد جماعته.

تكتيك ومناورة
يصف الباحث السياسي اليمني الدكتور فارس البيل، ولع الجماعة بالإجراءات الأحادية بأنه «تكتيك ومناورة» ويقول الأكاديمي اليمني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» «جماعة الحوثي لا تنتمي بالأساس لطبقة سياسية أو مستوى معرفي، فهي ليست صاحبة مران سياسي أو تاريخ تفاوضي، هي في مجملها نزوة عابرة، صنعتها ظروف ورغبات». ويعتقد الدكتور البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة «لا تبحث في تحركاتها أو أفعالها عن أي قيم سياسية، أو تراعي تكتيكات مستقبلية، إنما تقفز إلى كل هذه التصرفات بشكل آني، باعتباره تكتيك مراوغة وبحثا عن مساحة للمناورة وتمديد حالة الفوضى، وفقا لما تمليه عليها أجندات المشروع الإيراني».

ويصل البيل إلى نتيجة مفادها أنه «لا يمكن الحكم على إجراءات الحوثي الأحادية باعتبارها نوعا من السلوك، بقدر ما هي نوع من المراوغة والممارسة الفوضوية لمهمة محدودة تقوم بها، ومصلحتها في كل ذلك إطالة أمد عمرها وسيطرتها وعبثها».

ويعتقد الكاتب البيل أن «هذه المناورات التي تجريها ميليشيات الحوثي نجحت في تمديد حالة اللاسلم وصبت في مصلحة بقائها حربيا ومنحتها ميليشيا مساحة زمنية كبيرة».

ويستشهد البيل بتعطيل الجماعة اتفاق «استوكهولم» حيث كانت مدته ثلاثة أسابيع للتنفيذ، في حين اقترب العام من اكتماله دون إنجاز أي شيء «بفضل هذه الإجراءات والمراوغات التي تجريها، وكأنها تنقل المجتمع الدولي والأمم المتحدة من مربع إلى مربع آخر، وتجعلهما في حالة توهان كبيرة تمنحها تحللا من الالتزامات وبقاءً أطول».

أما عن الداخل اليمني، من كل ذلك، فيرى الدكتور البيل أن الداخل «يعتبر نفسه في حالة اختطاف في يد الميليشيات وبالتأكيد يتطلع للخلاص، لكنه يرى الأفق شبه مسدود، فحالة مواجهة الحوثي بطيئة ومترددة وضعيفة، مما يمنح الجماعة سطوة أكبر».

ويجزم الكاتب فارس البيل «أنه تكاد تنعدم القوى المناوئة للحوثي بشكل منظم في الداخل الذي تسيطر عليه الجماعة، وأن الجميع في حالة استسلام وشتات، بانتظار أن يكون هناك تحرك كبير من خارج سيطرة الميليشيات لإنقاذ المجتمع من القبضة الحوثية التي لا تسمح له حتى بالتعبير عن تذمره وتبرمه من سلوكيات الجماعة».

تجزئة القضايا التفاوضية
يرى رئيس مركز فنار لبحوث السياسات الكاتب اليمني عزت مصطفى أن الحوثيين اعتمدوا «استراتيجية فصل القضايا التفاوضية عن بعضها ومن ثم تجزئة كل قضية إلى قضايا صغيرة».


وهذا بدوره - وفق ما يقول مصطفى لـ«الشرق الأوسط» «أبعد النقاشات التفاوضية معهم برعاية الأمم المتحدة من القضية الرئيسية المتمثلة بالانقلاب على الدولة والشرعية الدستورية إلى قضايا خلافية صغيرة متعلقة بالترتيبات الأمنية والعسكرية والسياسية التي يراوغ الحوثيون في الوصول إلى تفاهمات بشأنها بعد أن استطاعوا أن يدخلوا القضية الرئيسية إلى مشرحة التجزيء، وهذا قد يؤدي إلى مزيد من التجزيء للقضايا الثانوية ذاتها».

ويقدر الباحث والكاتب عزت مصطفى «أن هزيمة الحوثية كجماعة إرهابية مرهونة بمعرفة أولوياتها وطريقة تفكيرها، إذ إن الاستراتيجية الحوثية تحاول تحقيق الأهداف النفعية الضيقة بها كجماعة غير آبهة بالمأساة الإنسانية أو استمرار الحرب من توقفها وتستثمر رغبة الأطراف المناهضة لها وطنياً وإقليمياً في الوصول إلى سلام دائم لتعزيز موقفها؛ وتستغل الحرص على استقرار اليمن للحفاظ على مكاسبها كجماعة مزعزعة للأمن والاستقرار».

وكمثال على هذا التجزيء الذي دفعت إليه الأمم المتحدة - يستدل مصطفى - بالنظر إلى اتفاق استوكهولم بشأن الحديدة الذي قال إنه فصل الحديدة عن القضية الرئيسية ورغم ذلك وصلنا «إلى نتيجة أن الحوثية لا يمكن لها أن تلتزم بتنفيذ الاتفاق الجزئي هذا ونقلت قضية الانقلاب الكبرى إلى المطالبة بتنفيذ اتفاق استوكهولم». وفي قضايا أخرى - بحسب مصطفى - «نلاحظ الاستراتيجية الحوثية في إدارة ملف الأسرى؛ إذ تعتمد على عقد صفقات ثنائية مع الوحدات التي تقاتلها بعيداً عن ملف الأسرى والمعتقلين الذي يديره مكتب المبعوث الأممي وحدث تفاهمات بشأنه، فبدلاً من أن تضطر إلى إطلاق كافة الأسرى (الكل مقابل الكل) تعتمد الصفقات الصغيرة في جبهات القتال لإطلاق المقاتلين المنتمين سلالياً للجماعة مقابل عدد محدود من المقاتلين الأسرى لديها».

وهذا يعني - بحسب تعبيره - «أن آلاف الأسرى قد يدخلون في مصير مجهول كون الميليشيات الحوثية لن تكون آبهة بإطلاقهم بعد أن تضمن خروج كافة أسراها من السلاليين».

 وقد يهمك أيضا :  

استقالة محافظ ذي قار من منصبه عقب مقتل 32 عراقيًا

تطورات درامية شهدتها مدينة الناصرية وتفاصيل صادمة لإطلاق النيران على المحتجين

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

عميل للموساد تحميه السفارة الاوكرانية في بيروت بعد فراره…
إسرائيل تستجيب لطلب أميركي بعدم قصف مطار بيروت الدولي…
أخنوش يؤكد أن الطاقة النووية المدنية رافعة لتعزيز الأمن…
إسرائيل تجبر أكثر من 700 ألف شخص على النزوح…
حالة نزوح واسعة بعد إنذارات إسرائيلية للسكان بالإخلاء الفوري…

اخر الاخبار

بريطانيا تبحث خيارات عسكرية لتأمين وفتح مضيق هرمز
بوتين وبن سلمان يناقشان أزمة الشرق الأوسط واستقرار أسواق…
اجتماع مرتقب بين مجموعة السبع ودول الخليج لبحث تطورات…
عمرو دياب يحضر لألبوم المقرر طرحه خلال صيف 2026

فن وموسيقى

ريهام عبد الغفور تتصدر تكريمات مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية
دينا الشربيني تقدم تجربة غنائية جديدة مع المطرب "أبو"…
يسرا اللوزي تتحدث عن سعادتها بلقب أم البنات وتكشف…
ريهام عبد الغفور تكشف رأيها حول ردود فعل الجمهور…

أخبار النجوم

رامي صبري يوجه رسالة دعم لـ داليا مبارك بعد…
ريهام عبد الغفور تتحدث عن صعوبات دورها في فيلم…
ليلى علوي تعلّق على حصدها جائزة "إيزيس" للإنجاز من…
مصطفى شعبان يتعاقد على "39 قتال"

رياضة

محمد صلاح يزين قائمة أفضل 10 أجنحة في القرن…
إنفانتينو يطالب إيران بالمشاركة في كأس العالم
السكتيوي يراهن على التجربة المغربية لبناء مشروع متكامل وتطوير…
رياض محرز يواصل التألق مع المنتخب الجزائري رغم بلوغه…

صحة وتغذية

الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد
التوصل إلى علاج جديد يُصلح تلف القلب الناتج عن…
تناول نفس الوجبات يوميًا يُساعدك على فقدان الوزن بسرعة…
الزهايمر يبدأ بصمت التعرف المبكر على الأعراض يمنح فرصة…

الأخبار الأكثر قراءة

حادث سير في المغرب يودي بحياة 4 موظفين بـالمديرية…
الصومال يعلن مقتل 3 من قادة حركة الشباب المتورطين…
كيم جونغ أون يفتتح المؤتمر التاسع لحزب العمال في…
ملف الصحراء المغربية يناقش في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة
البرلمان التركي يمهد لإصلاحات قانونية بالتزامن مع نزع سلاح…