الرئيسية » ناس في الأخبار
المكتبات المغربية

الرباط -المغرب اليوم

أحيانا نُهمل حقوق نصوص علينا بعد أن نقرأها فتتشابك القراءة بالكتابة والقارئ بالكاتب، وقد ننتقل من وضعية القارئ إلى حالة شخصية من الشخصيات. قرأت رواية “وليدات الشاوية” (ط1-2005 والطبعة الثانية في سنة 2008) للكاتبة منى هاشم، بعد سنة واحدة من طبعتها الثانية، وسجلتُ في هوامشها مجموعة من الملاحظات تمهيدا لإعادة قراءتها والنظر بالموازاة إلى تلك الملاحظات الشخصية، التي ستُلهمني بملاحظات ثانية وثالثة. لحظتها خلّفتْ في نفسي أثرا وإحساسا بالبهجة فخطر ببالي أنني أنا من كتبتها جزءا ثالثا لروايتين سابقتين لي: “زمن الشاوية” و”رائحة الجنة”. ثم تأتي روايتها الجديدة “ابن تومرت أو الأيام الأخيرة للملثمين” (ملتقى الطرق، ط2-2021) لتؤكد حالة الذهول، ولأكتشف أن منى هاشم تؤكد كتابها الأول بكتابات في الرواية والتاريخ والبحث الجيني الوجي والروحي للجماعات المغربية. إنها مثل النهر الذي ينهض من باطن الأرض ليروي ويرتوي من الذاكرة والراهن في مجرى لا ينتهي، مليء بالمنعرجات والمفاجآت واللا توقعات.

منى هاشم باحثة مغربية وأديبة تكتب جميع نصوصها ومقالاتها ب اللغة الفرنسية. حصلت على شهادة جامعية عليا في الأدب المقارن من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، لكن انخراطها في الصحافة والمجال الإعلامي لم يترك لها الوقت لاستكمال مشروعها في الدكتوراه، فاختلت إلى الإبداع مع ربطه باهتماماتها الثقافية التي تؤمن بها، فكتبت سلسلة من “أخبار الأمس واليوم” بصحيفة “ليكونوميست”، كما أنجزت برنامجا إذاعيا لفائدة “راديو أتلانتيك” حول أسرار الألقاب العائلية، ثم انتقلت إلى التلفزيون بقناة “ميدي1” ببرنامج حول علم الأنساب والألقاب، ثم مقالاتها في موقع “360” التي تتابع فيها الأحداث وتكتب عنها من فصول التاريخ والذاكرة توضيحا للكثير من أسئلة الراهن الملتبسة. وفي غمرة عملها المهني كانت لها خلوتها الخاصة مع الكتابة فأنتجت خمسة نصوص، ثلاثة في التخييل التاريخي والثقافي: “وليدات الشاوية” (Enfants de la Chaouia)؛ “المخطوطات المفقودة”، (2019)؛ “ابن تومرت، أو الأيام الأخيرة للملثمين” (2021). واثنان في التاريخ المغربي والجينيالوجيا: “معجم ألقاب العائلات المغربية” (2011)، و”حول تاريخ المغرب، من الأصول إلى سنة 1907″ (2016) (صدر في طبعة جديدة بعنوتن جديد: “التاريخ غير المتوقع للمغرب” 2018).

في أعمالها التاريخية التي تفتتحها ببحث جينيالوجي طريف، هناك هاجس السرد والتنقيب في الهوية المغربية والسجلات المنسية. فعبر حوالي 1354 لقبا عائليا، تبحث منى هاشم عن فهم جزء أساسي من تاريخ المغرب المتشكل من الأنساب والأعراق والسير والحكايات حول كل ذلك. في الكتاب الثاني، تعود مُنى إلى المغامرة الأصعب، متحررة من قيود المؤرخين ونظاراتهم السميكة، وهي تدرك أن مفهوم التاريخ ليس بالضرورة ما نقرأه أو حتى ما نتصوره، إنه حافّة تُطل على ألغاز لا حلّ لها وحكايات وخرافات وكذب وحقائق مبتورة. لذلك اختارت أن تكتب ما تراه منسجما مع رؤية امرأة كاتبة تحمل أسئلة جذرية وتسعى إلى اختبارها في محطات بدايتها مع سكان المغرب في حروبهم القدرية قبل مجيء الإسلام وما عاشوه أثناء وبعد الأسلمة وتتالي الدول في بناء الحضارة المغربية وصولا إلى “ضربة الدار البيضاء سنة 1907″.

في رواياتها التي تنهض على سرد حيّ يخفي حنينا وحرقة ورائحة التراب، افتتحته بـ”وليدات الشاوية” وكأنها تعلن عن هويتها السردية بهذا النص الذي يتخذ من فضاءات أولاد احريز ومديونة والدار البيضاء مِرآة سحرية لسرد زمن كامل من حكايات وأصوات تنتمي إلى ثلاثة أجيال تجلسُ على فجوات بألوان مختلفة كما تصوغه الجدة والأم والابنة في علاقة صراع مع المجتمع والموت والإرث. وتُطل هبة بصورتها لتشخيص العالم الجديد ضد الكليشيهات والبديهيات. وتختار المؤلفة في روايتها الثانية مسافة بينها وبين حرارة الراهن بالعودة إلى القرن السادس عشر والسابع عشر مستلهمة سيرة الموريسكي أحمد الحجري أفوقاي الذي خلّف نصا رحليا فريدا، أو ملخصا عنه بعنوان “ناصر الدين على القوم الكافرين”، يروي فيه نُتفا من سيرته ومجادلاته اللاهوتية ويعكس ردا ثقافيا في تلك المرحلة عن العنف الموجّه إلى الذات العربية والإسلامية. وقد أعادت منى هاشم سرد هذه السيرة بمنظور يختلف في الرؤية، بالكلمات وتمثل التاريخ، عن روايات مغاربية ومشرقية كتبت حول نفس الشخصية، منشغلة بالحكاية والسفر والحوار والهوية ورمزية المخطوط في تقاطع مع الوجود العربي بالأندلس/ غرناطة، من جهة، ورمزية الحوار بين الذات والآخر وغيرها من القضايا التي كانت تجري تحت معطف التخييل التاريخي. 

ومن شخصية أفوقاي إلى شخصية المهدي بن تومرت، الذي تناولته الرواية المغربية المكتوبة بالعربية في نصين بارزين؛ الأول لكمال الخمليشي بعنوان “الإمام” (2004) ويحكي عن سيرة أسافو أو المهدي بن تومرت الفقيه السوسي الذي كان موزعا بين العلم وهواجس الدنيا. أما الرواية الثانية لسعيد بنسعيد العلوي “ثورة المريدين” التي استحضر فيها شخصية ابن تومرت في قراءة الربيع العربي (نفس الشيء مع شخصية أفوقاي الذي استلهمته روايات مصرية وتونسية ومغربية في نصوص روائية).

تختار منى هاشم انطلاق السرد بمشهد ستعمل الرواية على تفكيكه بأوجه شتى، بخطاب رجل غامض ممتلئ عنفا وغضبا يخاطب الأميرتين المرابطيتين، سورة وميمونة، كيف لا ترتديان الحجاب، ملمحا إلى أنه شرف المرأة. بهذه البداية تخوض الرواية في تقليب التاريخ لكتابة الهمس والظلال الغائبة ولكنها تمتلك أثرا في تأليفات التاريخ والتراجم.وتختار المؤلفة شكل تقسيم الرواية إلى ثلاثة فصول وضمنها 45 مقطعا على 230 صفحة، كل فصل يضيء شخصية نسائية، بدءا من سقوط سورة في حب مستحيل؛ ثم رحلة ميمونة في حياة وزواج متعثر؛ وأخيرا النهاية التراجيدية لفانو التي رفضت الاستسلام للقادم الجديد في مشهد لا يتكرر.

أحداث تنمو في فضاءات بين تينمل ومراكش خلال حوالي ثلاثة عقود الأخيرة من حكم المرابطين، تسلط الضوء بالأبيض والأسود على حضور المرأة والسلطة في لحظة تحول مشبعة بالتناقضات والصراعات وبالخيانة والحب والكراهية والأخلاق. إن شخصية المهدي، بكل تناقضاتها، هي عنوان مرحلة قامت خلف ظلالها أسئلة قوية لصوت المجتمع عبر المرأة، عقلا وعاطفة، وتلك الحبكات الصغيرة والشفّافة التي كانت تشدّ التفاصيل التاريخية قبل أن تنهار إن المتأمل في نصوص منى هاشم التخييلية والتاريخية يجدها نصا واحدا رؤيته ثقافية وأسئلته اجتماعية وسياسية وتاريخية تعتمد الحدث وما يختبئ خلفه، تلوذ بالشخصية التاريخية التي يمتلك القارئ عنها معلومات خاصة أو عامة لتفككها وتناوش ذاكرتها بعناصر تستدعيها من منطقة اللاتوقع، وهي تفتل “الوقائع” بسماد تخييل واع وشغف امرأة تكتبُ بعينيها.

قد يهمك ايضا:

باحث يستبعد تصدر "البيجيدي" ويتوقع فوز "الأحرار" بـ" انتخابات 2021"

خبير مغربي يتوقّع إغلاق كازا بشكل كُلّي بعد ذكرى المولد النبوي الشريف

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

ويل سميث يعلّق على قضائه عطلة نهاية الأسبوع بمصر…
إيلون ماسك أول شخص فى التاريخ تقترب ثروته من…
بلير ينأى بنفسه عن رسوم بمليار دولار مقابل عضوية…
أول تعليق من عمرو أديب على جدل طلاقه من…
عرافة تكشف توقعات صادمة لمستقبل الأمير هاري وميغان ماركل

اخر الاخبار

تنظيم القاعدة يحرض على قتال الولايات المتحدة واستهداف سفنها
تصعيد عسكري في النيل الأزرق بين الجيش السوداني وقوات…
ستارمر وترامب يتفقان على العمل الوثيق لضمان استمرار تشغيل…
ترامب يدعو الأميركيين لتجاوز فضيحة إبستين والتركيز على قضايا…

فن وموسيقى

ماجدة الرومي تعود بالحنين والأغاني إلى دار الأوبرا المصرية…
جومانا مراد تعود للبطولة المطلقة في الموسم الرمضاني وتناقش…
ماجدة الرومي توجّه رسالة الى الرئيس المصري في حفلها…
نيللي كريم تعيش صراعًا نفسيًا غامضًا والملامح الأولى لأحداث…

أخبار النجوم

لقاء الخميسي تثير الجدل بعد ظهورها بدون دبلة الزواج
شريف منير يعود بقوة في مسلسل "رجال الظل: عملية…
شيرين عبد الوهاب توجه رسالة لمحبيها بعد غياب
ماجدة زكي نجمة التلقائية تخوض دراما التشويق في رجال…

رياضة

إنفانتينو يؤكد أن المغرب قوة كبرى وقادر على الفوز…
كريم بنزيما يشبه الهلال السعودي بريال مدريد ويؤكد سعادته…
بيب غوارديولا مستاء عقب الإعلان أن مانشستر سيتي السابع…
إنفانتينو يدعم رفع الحظر عن مشاركة روسيا في البطولات…

صحة وتغذية

الزنجبيل مع الأناناس مشروب طبيعي قد يخفف الغثيان ودوار…
إسرائيل تمنع "أطباء بلا حدود "من العمل في غزة…
منظمة الصحة العالمية تصدر توصيات عالمية للغذاء الصحي في…
7 ممارسات تدعم الصحة النفسية وتعزز المرونة

الأخبار الأكثر قراءة

أميركي يفوز بجائزة يانصيب قيمتها 1.8 مليار دولار
ترمب يمازح الأطفال ليلة عيد الميلاد ويحذر من بابا…
ماكرون يستعرض قوته الجسدية مع جنود فرنسيين خلال زيارة…
كيم جونغ أون يفتتح منتجعاً جبلياً فخماً في شمال…
لافروف يرحب بانتخاب خالد العناني مديراً عاماً لليونسكو ويدعو…