شرم الشيخ – المغرب اليوم
تشرع الحكومة السورية بدمشق في وضع اللمسات الأخيرة على خطة واسعة تتعلق بإعادة إعمار المناطق "الآمنة" في سوريا، تمهيدا لعودة سكانها المهجرين إليها، وهي المناطق التي تضررت من الصراع المسلح الذي تشهده البلاد منذ أكثر من 5 سنوات.
وأصبحت عمليات التدمير في سوريا خارج نطاق السيطرة لاسيما بعد التدخل العسكري من جانب أطراف دولية متعددة في الصراع. وحسب تقدير رصدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (إسكوا) فإن قرابة ثلثي الثروة العقارية في سوريا دمرت جراء عمليات القصف، حيث فاق عدد المنازل التي تم تدميرها بشكل كامل المليون ونصف المليون منزل، إضافة إلى تشريد قرابة الثمانية ملايين نازح داخل البلاد.
بينما تشير تقديرات حكومية في دمشق إلى أن معدل التدمير والخراب الحادث إثر هذا الصراع المسلح يفوق 1200 منزل يوميا.
وقدر البنك الدولي في يونيو 2014، تكلفة إعادة إعمار سوريا بـ 200 مليار دولار، وصنف سوريا في المرتبة الأخيرة بين دول العالم في تقريره "ممارسة أنشطة الأعمال" لعام 2014، بينما قدرتها لجنة (الإسكوا) بنحو 140 مليارا.
وتأخذ قضية إعادة الإعمار في سوريا أبعادا كثيرة تذهب جميعها صوب اتجاهين يحددان مصير فلسفة هذه القضية، الأول: إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهي الخطة التي وضعتها الهيئات الدولية، سواء لجنة (إسكوا) أو الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، والآخر خطة أعدتها إدارة الأسد بالاتفاق مع شركات روسية وإيرانية وصينية.
ويقول الدكتور غياس القطيني نقيب المهندسين السوريين - في حوار أجرته معه وكالة أنباء الشرق الأوسط - إن الحكومة السورية وضعت حاليا خطة لإعادة الإعمار بالمنطقة "الآمنة"، في إشارة إلى تلك المناطق التي تمكن الجيش السوري النظامي من السيطرة عليها واستعادتها من يد مجموعات المعارضة المسلحة.
وتشير التقديرات السكانية إلى أن 50 % من المناطق السكنية في سوريا هي مناطق "عشوائية" (غير رسمية)، أي أن ساكنيها لا يتمتعون بحيازة آمنة لمساكنهم.
وأضاف القطيني أن الحكومة السورية تؤمن مئات مراكز "الإقامة المؤقتة" للمتضررين من النزاع ، وتمدهم بكل المستلزمات والخدمات الطبية والسلات الغذائية.
وأعدت مجموعة اقتصادية تابعة لجنة (إسكوا) الأممية خطة لإعادة اعمار سوريا بعد أن تضع الحرب أوزارها، ويترأس هذه المجموعة، المكونة من ستة أعضاء، نائب رئيس الوزراء السوري المسؤول عن الشؤون الاقتصادية السابق في سوريا عبد الله الدردري، حيث يعملون على مشروع إعادة تأهيل البنى التحتية بمختلف القطاعات.
وتتمحور خطة "الدردري" الأممية بشكل أساسي حول تأمين المليارات اللازمة لمشاريع إعادة البناء من خلال قروض طويلة الأمد من جهات دولية، كصندوق النقد الدولي، والتي تفرض عادة على البلد المستدين شروط (إعادة هيكلة) قد تكون "مثيرة للجدل"، بحسب القطيني.
لكن هناك تقييمات أخرى لإعادة الإعمار لدى إدارة الرئيس بشار الأسد مغايرة تماما لتقييمات الدردري، ما حدا بالأسد أن يعلن في فبراير 2014 أن حكومته تخطط لمشروع شامل لإعمار سوريا، وإن "الشركات الأمريكية والغربية... لن يكون لها دور إطلاقا من أي نوع ي هذا المشروع".
وتبدو أن خطط وتقييمات (إسكوا) لم تلق أي ترحيب من الإدارة السورية، حيث أنشأ مجلس محافظة دمشق شركة قابضة لإعمار المناطق المحيطة بمطار المزة، التي حددها مرسوم أصدره الأسد حمل رقم 66 لعام 2012، حيث حدد أن يتم تمويل المشروع من المصرف العقاري السوري.
ومشروع الإعمار - الذي تحدث عنه المهندس غياس القطيني نقيب المهندسين السوريين، قائلا إن سلطات محافظة دمشق بدأت بالفعل في تنفيذه على الأرض بمنطقة جنوب شرق المزة بالعاصمة دمشق (خلف الرازي) - يستهدف منطقة تبلغ 214 هيكتارا لإنشاء منطقة سكنية جديدة.
ويساور المهندس القطيني الخوف والتشكك من نوايا الخطط الدولية بشأن إعادة الإعمار، لاسيما وأن تجارب إعادة الإعمار في فلسطين ولبنان والعراق، أثبتت - حسب قوله - الافتقار إلى الانضباط الذاتي وكانت تسعى لتقويض دور الدولة، لاسيما وأن هناك حقيقة على الأرض - الآن في سوريا - هي أن "إعادة الإعمار" أضحت جزء لا يتجزأ من الحرب نفسها، ما قد يمنح المستثمر نفوذا كبيرا في كيفية إدارة البلد فيما بعد، حتى لو لم تعد الاستثمارات بعوائد وأرباح مالية على المدى القصير.
وتحدث القطيني عن أن "الحكومة السورية والمعنيين برئاسة الوزراء لديهم خطط تنفيذية، ويضعونها لدى نائب رئيس مجلس الوزراء لشئون الخدمات، وهو المعني بهذا الملف، المهندس عمر غلاونجي"، مشيرا إلى أن الحكومة المركزية والسلطات المحلية رصدت ميزانية للإعمار، دون أن يكشف عن قيمتها.
غير أن الحكومة السورية برئاسة وائل الحلقي أعلنت منذ قرابة العام ونصف العام عن رصد 30 مليار ليرة سورية (150 مليون دولار) لمشروع إعادة الإعمار لبعض المناطق ومساعدة الأهالي على العودة إليها.
ونوه المهندس القطيني نقيب المهندسين السوريين بأنه تم إعداد خطة تنفذها النقابة لإعادة الإعمار، تتمثل في تدريب وإعداد وتأهيل الكوادر الهندسية وإيفادهم إلى مشاريع الإعمار مباشرة ، لا سيما منطقة (خلف الرازي) بالعاصمة.