الرئيسية » الإعلام وروّاده
أحمدو بامبا الحافظ

العيون ـ هشام المدراوي

أدرك أحمدو بامبا الحافظ، بعد أعوام مريرة من العيش في مخيّمات تندوف، أنّ لا بديل عن العودة إلى أحضان الوطن الأم وجعله المنطلق من أجل قيادة معركة من هناك، من أجل التعريف بمعاناة المحتجزين لدى "جبهة البوليساريو"، ونقل تجربته للعالم، واستكمال مساره الإعلامي المتميز.
ولم تمنع الظروف المعيشية الصعبة، التي كان يعيش على وقعها أحمدو داخل مخيمات تندوف، من تحقيق حلمه في أن يكون مذيعًا، بعد أن لمس في نفسه كثيرًا من القدرات والطاقات الواعدة، التي تكفل له نجاح باهرًا في مجال "مهنة المتاعب".
وكان الحافظ يبادر في أحيان كثيرة إلى جمع أطفال الحي، ويقوم بتنظيم سهرات فنية يحضرون أطوارها، ويتكلف على أعقابها بإعداد تقارير مفصلة عن فعالياتها، وبالتالي بدأت الفكرة تكبر معهم، على الرغم من صعوبة الظروف، التي كان يعيش على وقعها داخل مخيمات "تندوف"، إلا أن ذلك لم يكن ليدفعه إلى الإقلاع عن تحقيق أمنية حياته، التي ناضل من أجل تجسيدها على أرض الواقع.
وينحدر أحمدو بامبا الحافظ من إحدى أعرق القبائل الصحراوية، ألا وهي قبيلة "أولاد دليم"، فخد "أولاد الخليقة"، وقد رأت حياته النور في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 1981 في مخيم "السمارة" في تندوف، حيث تربى في كنف عائلة تتكون من الأم وأخواته، على اعتبار أنّ والده قد توفي في الحرب عام 1986، وبعدها انتقل الجميع إلى مخيم الداخلة، وهو المخيم الذي ترعرع ودرس فيه، وفيه تزوجت أمه برجل أخر، أنجبت منه فتاة.
ولم تكن طفولة أحمدو وأقرانه في مخيمات تندوف عادية إسوة ببقية أطفال العالم، الذين كانوا في مثل سنهم، فالشيء الأول الذي كان يلعب به أطفال "تندوف" هو السلاح، ناهيك عن الظروف المناخية الصعبة، التي لم يكن من السهل تحملها، في ضوء شح المياه، وانعدام الظروف الصحية داخل المخيمات. 
وعلى الرغم من كل تلك العوائق، لم يتوان أحمدو في الانقضاض على الفرص التي أتيحت له، فكان لا يتردد في تقمص دور المذيع، سواء عندما كان يلعب بمعية أصدقائه، أو عند انزواؤه داخل الخيمة التي كان يتشاركها مع أفراد أسرته، وهو ما أكسبه شهرة كبيرة، سواء لدى الأهل أو الجيران، إذ أصبح يلقب من لدن الجميع باسم "الإعلامي الموهبة"، الذي شكّل الاستثناء من بين رفاقه، فكل واحد منهم كان له أمل وتطلع، ولكن لا أحد منهم ذهب تفكيره إلى حد الارتماء في أحضان الإعلام المسموع، لأنَّ ما كان يجري حينها داخل المخيمات لا يسمح بالتفكير في أشياء بعيدة عن حمل السلاح، أو الرعي، وهما الأمرين المرتبطين أساسًا بالواقع الذي فرض على عموم القاطنين في المخيمات.
وبعد استكمال أحمدو لدراسته الثانوية، التحق بجامعة الفاتح في ليبيا، وهناك تمكن من الحصول على الإجازة في الصحافة، ليخضع بعد ذلك لفترة تدريبية لدى القناة الجزائرية الأولى، وكانت انطلاقته الحقيقية في الإعلام عام 1999 قبل تخرجه، حيث عمل على استغلال العطل التي كان يحصل عليها، ليفرض نفسه في هذا الميدان، وبعد استكماله لدراسته اجتاز امتحان القبول بامتياز وكانت الانطلاقة من خلال محطة محلية في مخيم "الداخلة"، في تندوف، التي كان بثها محليًا، وبعد ذلك تم تعينه مديرًا جهويًا لهذه المحطة.
وتمّ نقله إلى محطة أخرى في مخيم "اوسرد" في تندوف، وكان هذا المخيم يضم محطة كبيرة كانت تحتضن جلسات ما يسمى بـ"برلمان حكومة البوليساريو"، وقد كلّف رسميًا من طرف "وزارة الإعلام" بتغطية هذه الجلسات، التي كانت تناقش برامج ومشاريع "البوليساريو"، والمصادقة عليها من طرف "الهيئة التشريعية في الجبهة".
وانتقل إلى "الإذاعة الرسمية للبوليساريو"، وعمل في البداية في القسم الثقافي ثم عين رئيسًا لهذا القسم، لينتقل بعد ذلك إلى قسم الأخبار، وبالضبط إلى قسم المراسلين، وخلال تواجده في ذلك القسم كان يقدم النشرات الموجزة والمفصلة، ويشارك أحيانًا كثيرة في تحرير نشرات من خلال قسم التحرير. 
وكانت الأخبار ترد على القسم من طرف مراسلين غير معروفي الهوية في الأقاليم الجنوبية المغربية، لدواع أمنية، وكان التواصل بين المحررين والمراسلين منعدمًا في هذه المرحلة، حيث كان دور قسم الأخبار يقتصر على التوصل بتلك المراسلات دون أن يكون هناك هامش لمعرفة كيف تم تسجيلها أو الجهة التي أشرفت على تلك العملية. 
وأثناء عمله في قسم الأخبار لم يكن راضيًا كثيرًا عن بعض التقارير التي يتم عرضها، لاسيّما تلك التي تتعلق بالوضع الإنساني داخل المخيمات، وهو يقول في هذا الإطار "أثناء تغطيتي لحادث الأمطار، التي تساقطت بكثافة على المخيم، رأيت كيف كان الناس يعانون، والنساء يبكون، رأيتهم يعيشون على وقع وضعية صعبة جدًا، وكيف أنَّ أعضاء الجبهة عوضًا عن مساعدة هؤلاء الناس بقيت فقط تتواصل مع أطراف خارجية، من أجل إيفاد الدعم لجيوبهم، وهي من الأمور التي أثارت غضبي واستيائي ضد قيادة الجبهة".
والتحق أحمدو بعد ذلك للعمل في قسم المراسلين، وهو الأمر الذي أتاح له الانتقال إلى عدد من دول العالم، لاسيّما في القارة السمراء، في إطار مرافقته لمجموعة من الوفود الرسمية، التي كانت تضم قياديين من الجبهة، بمن فيهم زعيمها محمد عبد العزيز، حيث حضر مجموعة من القمم في ليبيا، وجنوب أفريقيا، وفي عدد من العواصم الأفريقية الأخرى، من أبرزها قمة شرم الشيخ في مصر، إضافة إلى بعض الأنشطة، التي حضرها زعيم الجبهة في الجزائر، ومشاركته في العديد من الاحتفالات، التي كانت تقيمها الجبهة وفي مؤتمرات الجبهة أيضًا. 
ومن بين أقوى اللحظات، التي عاش على وقعها أحمدو، خلال حياته المهنية، حينما كان يعمل على نقل حي ومباشر ضمن فعاليات مؤتمر الجبهة، الذي عقد في تيفارتي، واتصل به بعض زملائه، اللذين كانوا بمعية المكان، ونقلوا  له خبر نجاح محمد عبد العزيز، وكذا لائحة بقية أعضاء الأمانة، وهو الأمر الذي جعله يسارع إلى بث هذا الخبر، حيث قال في بث مباشر على أثير "إذاعة البوليساريو"، "توصلنا اللحظة بقائمة (أعداء) الأمانة الوطنية، وعلى رأسهم محمد عبد العزيز، وإليكم أسماءهم"، وبعد إذاعة الخبر مباشرة على الأثير اتصل به من تيفارتي "وزير الإعلام لدى الجبهة" وأنّبه كثيرًا وقال له "عليك بأخذ ورقة بيضاء وكتابة كلمة أعضاء عليها 2000 مرة.
وكانت تلك الواقعة حديث العامة والخاصة لدرجة أنها خلقت استنفارًا كبيرًا من لدن القيادة وأجهزتها، وكان البعض يرجح كفة سجن أحمدو لبقية عمره، لولا مجموعة من التدخلات.
والتقى بعدها برئيس المؤتمر شخصيًا، وهو محمد خداد، الذي يعمل في الجبهة منسقًا ما بين "الجبهة" و"المينورسو"، وسأله عن دواعي قوله لتلك الكلمة، فأجابه وهو يمازحه "أليست تلك هي الحقيقة سيد خداد؟"، فرد عليه "هذا حسب رأيك أنت".
وفي الصباح الموالي كان عدد لا يستهان به من المواقع الإلكترونية قد أورد مجموعة من القصاصات عنونتها بـ"صحافي يقول الحقيقة على أمواج إذاعة البوليساريو". 
وفي حدود عام 2007 انتقل إلى مخيم "27"، وبعد زواجه انتقل  إلى مخيم "العيون" الذي كانت به عائلته الصغيرة، حيث رزق بابنة أطلق عليها اسم "هاجر"، وعانى الأمرين من أجل تربيتها، لاسيّما في ضوء ظروف الحياة الصعبة، فقد كان معظم السكان محرمون من أشياء كثيرة، وما زاد الطين بلة أنّ راتبه الشهري لم يكن يتجاوز 1000 درهم عن كل ثلاثة أشهر، وكانت كل تلك الظروف الصعبة لا يجد لها أي تفسير في ضوء وجود إعانات مالية تقدم  للاجئين، لكن للأسف لم يكن يصل منها سوى القليل، لاسيّما خلال الأعوام الأخيرة، التي شددت فيها المنظمات الخناق على المساعدات الموجهة إلى المخيمات، كونها رأت بأنّ قيادة الجبهة تتاجر بتلك المواد الإنسانية في الدول المجاورة، والضحية هي القاعدة المكونة أساسًا من أناس عادين جدًا.
ولم يضيع أحمدو الفرصة الأولى التي أتيحت له في الالتحاق بالمغرب، تلبية للنداء الملكي "إن الوطن غفور رحيم"، على الرغم من أنّ ذلك كلفه الافتراق عن ابنته هاجر، التي يأمل أن يجتمع شملها به ذات يوم.

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في…
عريضة واسعة تطالب بالطعن في قانون المجلس الوطني للصحافة…
الجامعة الملكية المغربية تستبدل الصحافة بالمؤثرين وتفرّغ الإعلام الرياضي…
جميل عازار وداعا
مقتل 128 صحفيا في العالم خلال عام 2025 أكثر…

اخر الاخبار

الجيش الإسرائيلي يوصي بوقف إدخال المساعدات لغزة ويحذّر من…
الجيش الإيراني حذر من «دبلوماسية البوارج الحربية» وأعلن جاهزيته…
تقنيات صينية تعيد تنشيط صناعة الصواريخ الروسية وتوسّع قدرتها…
عراقجي يؤكد أن القوات المسلحة الإيرانية جاهزة للرد الفوري…

فن وموسيقى

نيللي كريم تعيش صراعًا نفسيًا غامضًا والملامح الأولى لأحداث…
ماغي بوغصن تكشف تطور الدراما اللبنانية وتروي صعوبات طفولتها…
المغربية دنيا بطمة تكشف كيف غيّرتها تجربة السجن وتروي…
يسرا اللوزي تكشف كواليس مثيرة عن تعامل المخرج يوسف…

أخبار النجوم

وائل جسار يوجّه رسالة لجمهوره المصري قبل حفل عيد…
ماجد المصري يكشف حقيقة وجود ألفاظ مسيئة في مسلسل…
مصطفي شعبان يعود إلى الدراما الشعبية بعد الصعيدية في…
محمد رمضان يثير الجدل حول مشاركته في دراما رمضان…

رياضة

صلاح يعادل رقم كاراجر القياسي في دوري أبطال أوروبا
عثمان ديمبلي على رادار الدوري السعودي بعد كأس العالم
رئيس الفيفا السابق يدعو لمقاطعة مونديال 2026
النادي الأهلي في مأزق قانوني ومالي بسبب أزمة المغربي…

صحة وتغذية

التدخين قبل سن العشرين يزيد خطر الإصابة بالسكتة الدماغية
تناول الشوفان لمدة يومين يساعد على خفض مستوى الكوليسترول…
كيف تساهم الألياف الغذائية في حماية الدماغ والحد من…
أفضل الفيتامينات والمكملات الغذائية التي تساعد على تقوية الذاكرة…

الأخبار الأكثر قراءة

ترامب يرفع دعوى قضائية ضد «بي بي سي» يطالب…
مراسلون بلا حدود تسجل مقتل 67 صحافيا في 2025…
استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز يثير التساؤلات حول مستقبل…
هيئات الصحافة المغربية تطالب بسحب مشروع قانون تنظيم المجلس…
وزير الشباب والثقافة المغربي يستعرض مستجدات مشروع قانون إعادة…