الرئيسية » أخبار الثقافة والفنون
مبدعو الصحراء

الرباط -المغرب اليوم

تحمل الموسيقى الحسانية بين أنغامها ومقاماتها الكثير من الأصول، فالتداخل الذي حصل بين الروافد الأندلسية والعربية والإفريقية والأمازيغية، جعل موسيقى "البيظان" لا تظل ساحرة وحسب، بل أصبحت متحفا حيا يحكي الكثير عن الثقافات التي تساكنت تحت خيام البدو تارة، وبين آلات عازفي "إيكاون" تارة أخرى.تحتفي الموسيقى الحسانية على الدوام بتداخل المؤثرات الإفريقية والعربية والأمازيغية في صوغها على النحو الذي هي عليه، فالعنصر الإفريقي يسكن الإيقاع، والنظام الصوتي يكاد يكون أمازيغيا، فيما تظهر اللمسات العربية في الكلام وشاعرية الأوصاف، بينما تزيد المواويل والمدود نفحات الموسيقى الأندلسية وتأثيراتها جمالا وبهاء. خليط من المواد الثقافية العريقة لا ينجح في المزج بين مكوناته سوى العازف الذي يسمى "إيكيو".

في مدينة العيون كغيرها من مدن الصحراء المغربية، ما يزال الناس متشبثين بالموسيقى الحسانية التقليدية، فلا تكاد مناسبة اجتماعية تمرُّ إلا وانطوت على كمٍّ من الآلات والأصوات الصادحة، النغم هنا يلاقي الناسَ على بساطه، لكن الحكايات الحائمة حول كؤوس الشاي الصحراوي تقول أشياء أخرى كثيرة، لا يزيدها بهاء سوى شذو فرق "إيكاون"، مستعملين عددا من الآلات الموسيقية مثل آلة "التدنيت" وهي عبارة عن طبل مصنوع من الخشب وجلد الغنم، وكذلك من عود مصنوع من أخشاب شجرة تدعى "التيدوم"، وتحمل الآلة على طرفها عددا من الأعصاب "الأوتار".

أما النسوة فيتخصصن في العزف على آلة "الآردين"، والتي تتكون هي الأخرى من طبل مصنوع من مادة خشبية ملفوف بجلد مدبوغ وعود متوسط السُمك من خشب "التيدوم"، إضافة إلى الأوتار. وكل ذلك بالإضافة إلى الطبل والنيفارة (المزمار) والربابة الحسانية. وهكذا فإن وصلة غنائية واحدة قد تنطق بلسان كل ما في الصحراء من أحياء وجمادات دفعة واحدة.لا تطرب أذن السامع الحساني في المناسبات والأعراس إلا للأغاني والرقصات التي يؤديها فنانو "إيكاون"، وهؤلاء ينتمون إلى شريحة اجتماعية صحراوية عريقة، وضعتها التراتبية الاجتماعية الصحراوية في أدنى سلالمها، بعد "لْمعلمين"(الصناع)، وهم الذين يصنعون أيضا الآلات الموسيقية، وهؤلاء بدورهم يأتون بعد العبيد المسبوقين بدورهم بالأشراف والزوايا. وأعطت هذه التراتبية الحق لطبقة "إيكاون" في احتراف الغناء والعزف والرقص، ومنعته تماما على الأشراف، الذين يبادرون، وبالمقابل، إلى الاعتناء بصناعة الشعر والتنافس من أجل قوله على السجية.

ويشير بعض الدارسين إلى أن سبب الموقف الموروث من "إيكاون" داخل المجتمع الحساني، إنما يرتبط بمنظور "البيظان" الأخلاقي، فالناس هنا يرفضون رفضا قاطعا الغيبة والنميمة، وينظرون بازدراء إلى من يُقبل على هاتين الخصلتين، ولهذا فإن تصنيف "إيكاون" في آخر التراتبية الاجتماعية مرده إلى أن هذه الفئة كانت في الماضي تقوم بما هو أقرب إلى التكسب، بما يعنيه ذلك من مدح العطاء وذم من لم يتمكن من إجزاله.غير أن تلك النظرة إلى "إيكاون" اليوم قد تراجعت، فالأفراد المنتمون إلى هذه الشريحة لم يعودوا يأبهون لذلك، لأن أبناء المجتمع الحساني اليوم أكثر ميلا إلى الاحتفاء بموروثهم الشفهي، لأنه برغم كل شيء، فإن الحسانيين كانوا يعتبرون موسيقيي "إيكاون" أيضا جزءا من المجتمع الحساني، وكانوا بالنسبة إليهم جالبا للفرح في السِّلم، ومحركا للهمم في الحرب.

الموسيقى الحسانية نحو التجديد والتطوير

يعتز ممارسو الموسيقى الحسانية ومبدعوها اليوم بشغفهم ذاك، فـ"إيكيو" أصبحوا اليوم نجوما تستضيفهم المحطات التلفزيونية ويحترمهم الناس ويحبونهم سواء أكانوا من أبناء عمومتهم من الحسانيين، أو من ثقافات ومجتمعات أخرى داخل المغرب وخارجه، لاسيما أن تجارب تجديد الموسيقى الحسانية قد بات لها مكانها، وباتت تحظى باحترام وتقدير الجمهور.قبل سنوات قليلة، ودّع سكان مدن الصحراء المغربية واحدا من الفنانين الذين طوروا الموسيقى الحسانية، وهو الفنان الناجم محمد عمر، ففي مدينة العيون المغربية، ومن ساحاتها ومسارحها ومهرجاناتها، صدحت حنجرته بأعذب الألحان المبتكرة، وبالرغم من أنه لم يحافظ على شكل كطربي "إيكاون" التقليديين، واستعمل الآلات الموسيقية المعاصرة ضمن فريقه الموسيقي، إلا أنه جمع جما غفيرا من العشاق والمحبين، وجعل الأغنية الحسانية تكتسب صيتا عالميا.

وتقول الفنانة فضيلة الناجم محمد عمر، عن تجربتها الموسيقية مع ابني أختها "آدم بنلمقدم ومحمد بنلمقدم"، الصغيرين اللذان تألقا مؤخرا في برنامج مواهب الأطفال "ذا فويس كيدز"، إنها تسير بهما على "خطى جدِّهما ووالدها الناجم محمد عمر"، مؤكدة أن المهم في الأمر هو أن "الموسيقى الحسانية العصرية تغري الشباب بالاستماع إليها، في حين ما يزال للنمط القديم أيضا عشاقه، بينما يحلق النموذج الذي طوره الراحل الناجم محمد عمر في كل الأرجاء".

وتضيف فضيلة مؤكدة أن "النظرة التي تحط من شأن الفنانين قد صارت شيئا من الماضي، فكل أبناء العيون مثلا ينظرون إلينا اليوم بفخر واحترام، لأننا أعطينا صورة مشرفة عن العيون وعن بلادنا المغرب"، في إشارة إلى إرث الموسيقى الحسانية الذي تتعايش بين نغماته كل التأثيرات الحضارية الإفريقية والأمازيغية والعربية، كما يستقبل بكل رحابة صدر أهل الصحراء المغربية تجارب الموسيقى العالمية.

قد يهمك ايضا

عبد الله أوزيتان يؤكد أن اليهود والمسلمين تركوا إرثا رائعا للأجيال المستقبلية

"شتاء طنطورة" رسالة من شباب العلا لتوصيل إرثهم الحضاري إلى العالم بكل اللغات

 

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

فاطمة غندور توثّق الذاكرة والإنسان في كتابها الجديد "مصر…
ملاحقات قضائية جديدة في إيران تشمل المثقفين والمقاهي على…
فرنسا ترفع أسعار دخول متحف اللوفر للسياح غير الأوروبيين
انتخاب المخرجة الفلسطينية نجوى نجار عضوًا في مجلس إدارة…
الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية

اخر الاخبار

سقوط جرحى إثر انفجار سيارة أسلحة وذخائر في السويداء…
وزير الخارجية الأميركي يؤكد صعوبة التوصل إلى اتفاق مع…
المحامون في المغرب ينهون إضرابهم بعد اتفاق مع الحكومة
الملك محمد السادس يهنئ رئيس ليتوانيا بعيد بلاده الوطني

فن وموسيقى

محمد هنيدي يؤكد حرصه على إبعاد الجمهور عن خلافاته…
حسين فهمي يوضح موقفه من محكمة الأسرة وزوجاته السابقات
سلاف فواخرجي تهدي جائزة إيرانية لغزة وتثير جدلاً واسعاً
أصالة تكشف تفاصيل ألبومها السوري الجديد ومشاركتها في رمضان…

أخبار النجوم

بهاء سلطان يشعل الحماس بأغنية مسلسل سوا سوا في…
خالد الصاوي يرد على جدل تقديم شخصية خالد بن…
محمد رمضان يثير الجدل برده على سؤال حول غيابه…
أروى جودة تحتفل بعيد الحب بصور زفافها في إيطاليا…

رياضة

هاري كين يتخطى رقم رونالدو القياسي بسرعة مذهلة
ليلة حاسمة لأندية مصر والمغرب في بطولات إفريقيا بين…
غوارديولا يؤكد أن احتضان الثقافات الأخرى يجعل المجتمع أفضل
كريستيانو رونالدو يعود للملاعب بعد غياب ثلاث مباريات

صحة وتغذية

الصيام المتقطع ليس أفضل من الحميات التقليدية
عالم يختبر سلاحاً سراً على نفسه فيصاب بأعراض متلازمة…
دراسة تكشف أن تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا…
ابتكارات طبية جديدة تعزز العناية بالصحة وتحد من الأمراض…

الأخبار الأكثر قراءة

وزير الأوقاف المغربي يكشف عن حصيلة تنفيذ برنامج تأهيل…
متحف اللوفر يفتح أبوابه بعد تأخير وسط إضراب العاملين
نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء المصرية حول كتاب…
موعد ميلاد هلال شهر شعبان وأول أيامه فلكيًا
سرقة تاريخية تهز متحف اللوفر أكثر من 8 آلاف…