تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

المغرب اليوم -

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»

إميل أمين
بقلم - إميل أمين

قالوا، وخير القول قول العارفين، إن «الجغرافيا ظل الله على الأرض، والتاريخ ظل الإنسان على الطبيعة».

حديث الجغرافيا يعود بنا إلى الاجتماع التشاوري الذي عُقِد، ليلة الأربعاء الماضي، في الرياض، وشارك فيه وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، في محاولة للتعاطي مع الأزمة الإيرانية المنفلشة في المنطقة.

عوَّدتنا الدبلوماسية السعودية على الحسم والحزم، في مواجهة الملفات الساخنة والمهددة لأمن وأمان الشعوب الشقيقة، ودول الجوار، لا سيما حين تدلهِمّ الخطوب، الأمر الذي يتضح جلياً من خلال ثنايا البيان الصادر عن الاجتماع.

المثير والخطير هو أنه ليلة انعقاد هذا الاجتماع التشاوري، بدت النيات الإيرانية واضحة، بقصف صاروخي على العاصمة السعودية وعدد من دول الخليج، وكأنها تبعث برسالة استباقية، مفادها أنه ما من شيء يردعها عن الغي السادر الماضية فيه قدماً لا تلوي على شيء.

تبدو القيادة الإيرانية المنهكة، وكأنها تهرب إلى الأمام، بتصدير أزماتها الناجمة عن رعونتها السياسية طوال قرابة خمسة عقود.

في هذا السياق، تغفل إيران عن النظرة الويستفالية لدول الجوار، بمعنى أنها دول ذات سيادة، لا يمكن ترويع شعوبها الآمنة، أو تهديد سلامة أراضيها، وتبعات ذلك عليها وعلى أمن الشرق الأوسط، ما سيكلفها تكاليف عالية وغالية، وسيلقي بظلال على علاقاتها بدول وشعوب المنطقة التي لن تقف موقف المتفرج أمام تهديد مقدراتها.

هل من توصيف لواقع إيران الحالي، بعد الدخول في الأسبوع الثالث من المواجهات التي أعادتها كثيراً إلى الوراء على مختلف الأصعدة، سواء العسكرية أو المدنية، والأكثر الأخلاقية؟

قبل الجواب، ربما يتوجب تنشيط ذاكرة القارئ، بأن عواصم دول المنطقة، وفي مقدمها الرياض والدوحة ومسقط، لم تتوانَ في السعي من أجل تجنيب إيران أولاً والمنطقة تالياً، ويلات الحرب.

اليوم تبدو طهران وكأنها كالغريق الذي يود أن يسحب معه، إلى قاع البحر، مَن حوله، في سياق رؤية شمشونية لهدم المعبد عليه وعلى أعدائه، غير أن الحقيقة هي أن الكراهية لا تفيد، والعداوة لا تُعبد جسوراً للحوار، بل تقيم جدراناً في القلوب والعقول.

تخبرنا أضابير التاريخ أن الحروب، ومهما اشتد وطيسها، لا بد لها يوماً من أن تنتهي، وإيران ذاتها قد خبرت في العقود الحديثة هذه التجربة، فقد عاشت قرابة ثماني سنوات حرباً ضروساً مع العراق. وفي نهاية المشهد، تجرع الخميني كأس السم، في إشارة إلى قبوله وقف إطلاق النار، بعد أن تعرضت بلاده لمعارك طاحنة مع العراقيين، وحتى مع الأميركيين في معركة «فرس النبي» عام 1988 التي تكبدت فيها طهران أكثر من نصف أسطولها.

لكن ماذا بعد انتهاء الحروب؟ ستبقى الشعوب، وستحفظ ذاكرة الأمم ما جرت به المقادير، وسيقص الشيوخ على الأحفاد نوازل ما جرى؛ إن كان خيراً أو شراً.

والشاهد أنه ما بين الجغرافيا والتاريخ تدور حياة الكائن البشري، وتنشأ الأمم والمجتمعات. تقوم الحضارات وتتعاقب الأجيال، تتعاون تارة وتتصادم تارة أخرى، تعيش الصفو عقوداً والكدر عقوداً أخرى، لا سيما بين الدول التي تربطها حدود جغرافية قدرية، لا يمكن لها أن تتعدل أو تتبدل.

في مؤلفه الرائع «انتقام الجغرافيا... ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير؟»، يخبرنا الكاتب والمؤلف الأميركي روبرت د. كابلان عن مفاعيل الجغرافيا، وكيف أنها قادرة على أن تخلق حياة مزدهرة، حين تغيب صراعات الحدود، وتختفي تهديدات الجيران القدريين، أو العكس.

الكارثة فيما تقوم به إيران مؤخراً تعميق مشاعر الرفض الإقليمي والعالمي لها؛ ذلك أنها عبر سعيها المستمر لإلحاق الأذى بالممرات المائية الدولية، مثل مضيق هرمز، تعمل على إصابة الاقتصاد الدولي في سويداء القلب، وتستعدي القوى الكونية التي لن توفر مزيداً من القوة لإجبارها على تقويم مسارها، ما سينعكس مجدداً بالسلب ولعقود طوال على «جيرانها القدريين».

يخطر لنا أن نسأل: هل تقود الجغرافيا الطبيعية لصراعات البشر، أم أن إرادات الحياة والعيش الإنساني، والبحث عن مسارب للسلام، يمكنها أن تتجاوز أزمات الجيرة القدرية، إن جاز التعبير؟

على إيران مغادرة متلازمة المواجهة الحتمية، والاقتناع بالتعايش السلمي. هذه رسالة «تشاوري الرياض» الرصينة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين» تشاوري الرياض وحقيقة «الجيران القدريين»



GMT 03:39 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

الخبز الباليستي

GMT 03:33 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

تهديدات وزير الخزانة... نفسية أم حقيقية؟

GMT 03:31 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

حافة الهاوية

GMT 03:27 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

للتاريخ أطلالٌ يقف عليها الحائرون

GMT 03:21 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

تراجع المشروع الإيراني

GMT 03:17 2026 السبت ,22 آب / أغسطس

فوكوياما... مسارٌ جديد لتاريخ لا ينتهي

GMT 21:48 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

أين تنتهي خاصرتها؟

GMT 21:46 2026 الجمعة ,21 آب / أغسطس

كزبرة وغزى.. ذبح موهبتين بنصل سكين بارد!!

ياسمين صبري تتألق في رحلة صيفية بإطلالات أنثوية وألوان جريئة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 20:18 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

آرسنال يتحرك لضم جول كوندي من برشلونة

GMT 02:02 2026 الثلاثاء ,11 آب / أغسطس

ريال مدريد يؤجل حسم إعارة البرازيلي إندريك

GMT 00:32 2026 الأربعاء ,05 آب / أغسطس

ريال مدريد يحدد سعر فينيسيوس في حال رحيله
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib