الرئيسية » أخبار الثقافة والفنون
الثقافة والفنون والتقنيات الرقمية

لندن - المغرب اليوم

لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن الثقافة من دون الحديث عن الشاشة، ولا عن الفن من دون المرور بالخوارزمية. نحن نعيش لحظة تاريخية لا يتغير فيها شكل التعبير فقط، بل يتغير فيها موقع الإنسان نفسه داخل التجربة الثقافية. ما كان يُقرأ في عزلة، ويُشاهد في صمت، ويُناقش على مهل، صار يتدفق بلا توقف، محاطاً بإيقاع السرعة، ومطالباً بالاستجابة الفورية. في هذا التحول، لا تخسر الثقافة بعض طقوسها فحسب، بل تُعاد صياغة علاقتها بالزمان وبالانتباه، وبالمعنى ذاته. والسؤال هنا لم يعد تقنياً، بل أصبح فلسفياً بامتياز.

بدت التحولات الرقمية، في لحظتها الأولى، كأنها لحظة تحرُّر كبرى في تاريخ الثقافة. وعدٌ بانكسار الأسوار القديمة، وتحرير المعرفة من قبضة المؤسسات، وإتاحة الفن لكل من كان يقف طويلاً خارج الأبواب. للمرة الأولى، لم يعد الكتاب، ولا الفيلم، ولا الموسيقى، ولا الفكرة، امتيازاً نخبوياً، بل إمكانية مفتوحة في متناول الجميع. هذا الاتساع الهائل منح الثقافة نفساً ديمقراطياً جديداً، وخلق انطباعاً بأن الإبداع أخيراً وجد فضاءه الطبيعي.

في هذا الفضاء، ازدهرت أصوات كانت مهمشة، وظهرت تجارب لم تكن لتجد اعترافاً في النظام الثقافي التقليدي. لم تعد العواصم وحدها مراكز للمعنى، ولا الصالات المغلقة شرطاً للاعتراف الفني. صار بالإمكان أن يولد عمل فني في الهامش، ثم يشق طريقه إلى جمهور واسع، وأن تتجاور أشكال تعبير متباينة، وأن تتلاقى ثقافات لم يكن بينها صلة سابقاً سوى المسافة. بدت الرقمنة، في هذه المرحلة، كأنها أعادت الحيوية إلى الثقافة، وحررتها من ثقل الحراسة والوساطة.

لكن هذا الوعد نفسه كان يخفي تحوّلاً أعمق. فمع الزمن، لم تعد الرقمنة مجرد أداة لنقل الثقافة، بل تحولت إلى بيئة كاملة يُعاد داخلها تشكيل الوعي والذائقة. هنا لم يتغير شكل الثقافة فقط، بل تغيّر معناها. العمل الفني، الذي كان يُنتَج ليُتأمل ويُناقش ويُعاش في زمن طويل، بدأ يتحول إلى محتوى يُقدَّم ليُستهلك بسرعة، ويُقاس نجاحه بعدد المشاهدات وسرعة التداول، لا بعمق الأثر.

هذا التحول لم يكن لغوياً، بل أصبح وجودياً. فحين يصبح الفن محتوى، يفقد شيئاً من صمته، ومن مقاومته للزمان. لم يعد يطالب المتلقي بالتوقف، بل صار يطارده بتدفق لا ينتهي. القيمة الجمالية لم تختفِ، لكنها لم تعد المعيار الحاسم. ما يفرض نفسه هو الرواج لا المعنى، والحضور لا البقاء.

في هذا السياق، صعدت الخوارزميات بوصفها فاعلاً مركزياً في تشكيل الذوق العام. لم تعد الذائقة تُصاغ عبر التربية والنقاش والتراكم البطيء، بل عبر أنظمة ترشيح خفية ترفع ما يشبهنا، وتُقصي ما يُربكنا. لم يعد السؤال: ما العمل الجيد؟ بل: ما العمل القابل للانتشار؟ وهكذا انقلبت العلاقة بين القيمة والاعتراف، فلم تعد القيمة تُنتج الرواج، بل صار الرواج هو الذي يمنح القيمة.

غير أن التحول الأعمق لا يمسّ الذائقة وحدها، بل يمسّ الإنسان نفسه بوصفه كائناً ثقافياً. ففي الفضاء الرقمي، لا يُنظر إلى الفرد بوصفه ذاتاً متأملة، بل بوصفه ملفاً سلوكياً، سلسلة من التفضيلات وأنماط الاستجابة. الإنسان هنا لا يواجه العمل الفني من الخارج، بل يُدرَج داخله بوصفه جزءاً من آليته. ما يشاهده، وما يُقترح عليه، وما يتكرر أمامه، لا ينبع من اختيار حر بالكامل، بل من قراءة مسبقة لسلوكه. ومع هذا الإدراج الصامت، تتآكل المسافة الضرورية بين المتلقي والعمل، تلك المسافة التي كان الفكر يولَد فيها. حين تُلغى المسافة، لا يعود هناك وقت للتساؤل، ولا للدهشة، ولا للمقاومة. الثقافة، في هذا السياق، لا تخاطب الإنسان بوصفه كائناً يسأل عن المعنى، بل بوصفه كائناً يستجيب.

الأخطر أن المنصات الرقمية لم تبقَ وسيطاً محايداً، بل تحولت إلى قوة ثقافية فاعلة، تحمل تصورات محددة عن العالم والهوية والأخلاق. فهي لا ترتّب المحتوى فقط، بل توجهه، وتدعم أنماطاً بعينها من الخطاب، وتحدّ من حضور أنماط أخرى، عبر سياسات تبدو تقنية أو قانونية، لكنها محمولة على خيارات فكرية واضحة. الرقابة هنا لا تعمل بالقمع المباشر، بل بالتوجيه الناعم، بتحديد ما يُرى وما يُهمل، وما يُحتفى به وما يُترك في الظل.

ضمن هذا التحول، تغيّرت علاقة الفنان بجمهوره. لم يعد الإبداع وحده كافياً، بل صار مطلوباً من الفنان أن يكون حاضراً دائماً، ومنتجاً لصورته، ومتفاعلاً مع إيقاع المنصات. كثيرون وجدوا أنفسهم أمام معادلة مرهقة؛ إما الانخراط في منطق الاستهلاك السريع بما يحمله من تسليع وتسطيح، وإما الانسحاب إلى هامش قد يكون أكثر نقاءً، لكنه ضعيف التأثير.

كما أعادت الرقمنة تشكيل علاقتنا بالزمان الثقافي. فكرة العمل الخالد تآكلت، وحلّ محلها منطق التداول السريع. الأعمال تظهر وتختفي، والذاكرة الجمعية صارت قصيرة النفس. لا وقت للتراكم، ولا لإعادة القراءة، ولا لاختبار الأثر البعيد. الثقافة، التي كانت تاريخاً، تحولت إلى لحظة. بهذا المعنى، ليست المشكلة في الرقمنة ذاتها، بل في غياب الوعي النقدي الذي يرافقها. فحين تُترك التكنولوجيا بلا مساءلة، تتحول من أداة إلى سلطة، وتعيد تشكيل الذائقة والمعنى وفق منطق السوق والسرعة. الثقافة لا تموت، لكنها قد تُفرَّغ من عمقها، وتفقد قدرتها على منح الإنسان معنى ومسافة للتأمل.

السؤال، في النهاية، ليس: ما الذي فعلته الرقمنة بالثقافة؟ بل: ما الذي نريد نحن أن نفعله بالثقافة في زمن أصبحت فيه السرعة بديلاً عن العمق، والانتشار بديلاً عن القيمة؟ هنا يبدأ الرهان الحقيقي، لا على التقنية، بل على الإنسان نفسه.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

أخنوش يراهن على التحولات الرقمية لرفع تنافسية الفلاحة المغربية

دار السلام مدينة الثقافة والتاريخ على الساحل الشرقي لأفريقيا

 

 

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

فرنسا ترفع أسعار دخول متحف اللوفر للسياح غير الأوروبيين
انتخاب المخرجة الفلسطينية نجوى نجار عضوًا في مجلس إدارة…
الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية
وزير الأوقاف المغربي يكشف عن حصيلة تنفيذ برنامج تأهيل…
متحف اللوفر يفتح أبوابه بعد تأخير وسط إضراب العاملين

اخر الاخبار

مصدر لجنة إدارة غزة لن تتعامل أمنيا مع أجهزة…
بركة يكشف وضعية الطرق بعد الأمطار الاستثنائية ويفتح 124…
موعد الرجوع إلى الساعة القانونية في المغرب GMT
حاملة طائرات أميركية ثانية تتجه للشرق الأوسط رغم المفاوضات…

فن وموسيقى

سلاف فواخرجي تهدي جائزة إيرانية لغزة وتثير جدلاً واسعاً
أصالة تكشف تفاصيل ألبومها السوري الجديد ومشاركتها في رمضان…
عبلة كامل تتصدر الاهتمام مع أنباء عن ظهور مرتقب…
مي عمر تحتفل بنجاح برومو مسلسل الست موناليزا و…

أخبار النجوم

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
أشرف عبد الباقي يعود بجزء جديد من "راجل وست…
شيماء سيف تواجه انتقادات حادة بعد الكشف عن أمنيتها…
شيرين عبدالوهاب تكسر عزلتها بأغنية عسل حياتي

رياضة

سيرينا ويليامز مؤهلة للعودة إلى ملاعب التنس اعتباراً من…
إيرلينغ هالاند يواصل تحطيم الأرقام القياسية في الدوري الإنجليزي
ميسي يعلن جاهزيته للمونديال بهدف مذهل قبل أربعة أشهر…
محمد صلاح يتصدر عناوين صحف إنجلترا بعد عرض السعودية…

صحة وتغذية

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
سرطان القولون بين الشباب ظاهرة تستدعي الانتباه والكشف المبكر
البوتاسيوم المعدن المنسي الذي يدعم صحة القلب والعضلات والأعصاب
لدعم المناعة والغدة الدرقية والخلايا 19 طعاماً غنياً بالمعدن…

الأخبار الأكثر قراءة

نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء المصرية حول كتاب…
موعد ميلاد هلال شهر شعبان وأول أيامه فلكيًا
سرقة تاريخية تهز متحف اللوفر أكثر من 8 آلاف…
تعامد الشمس على معابد الكرنك مُعلنة بداية فصل الشتاء
متحف اللوفر يعلن إعادة فتح أبوابه جزئياً رغم استمرار…