الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية
آخر تحديث GMT 06:02:31
المغرب اليوم -

الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية

الثقافة والفنون والتقنيات الرقمية
لندن - المغرب اليوم

لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن الثقافة من دون الحديث عن الشاشة، ولا عن الفن من دون المرور بالخوارزمية. نحن نعيش لحظة تاريخية لا يتغير فيها شكل التعبير فقط، بل يتغير فيها موقع الإنسان نفسه داخل التجربة الثقافية. ما كان يُقرأ في عزلة، ويُشاهد في صمت، ويُناقش على مهل، صار يتدفق بلا توقف، محاطاً بإيقاع السرعة، ومطالباً بالاستجابة الفورية. في هذا التحول، لا تخسر الثقافة بعض طقوسها فحسب، بل تُعاد صياغة علاقتها بالزمان وبالانتباه، وبالمعنى ذاته. والسؤال هنا لم يعد تقنياً، بل أصبح فلسفياً بامتياز.

بدت التحولات الرقمية، في لحظتها الأولى، كأنها لحظة تحرُّر كبرى في تاريخ الثقافة. وعدٌ بانكسار الأسوار القديمة، وتحرير المعرفة من قبضة المؤسسات، وإتاحة الفن لكل من كان يقف طويلاً خارج الأبواب. للمرة الأولى، لم يعد الكتاب، ولا الفيلم، ولا الموسيقى، ولا الفكرة، امتيازاً نخبوياً، بل إمكانية مفتوحة في متناول الجميع. هذا الاتساع الهائل منح الثقافة نفساً ديمقراطياً جديداً، وخلق انطباعاً بأن الإبداع أخيراً وجد فضاءه الطبيعي.

في هذا الفضاء، ازدهرت أصوات كانت مهمشة، وظهرت تجارب لم تكن لتجد اعترافاً في النظام الثقافي التقليدي. لم تعد العواصم وحدها مراكز للمعنى، ولا الصالات المغلقة شرطاً للاعتراف الفني. صار بالإمكان أن يولد عمل فني في الهامش، ثم يشق طريقه إلى جمهور واسع، وأن تتجاور أشكال تعبير متباينة، وأن تتلاقى ثقافات لم يكن بينها صلة سابقاً سوى المسافة. بدت الرقمنة، في هذه المرحلة، كأنها أعادت الحيوية إلى الثقافة، وحررتها من ثقل الحراسة والوساطة.

لكن هذا الوعد نفسه كان يخفي تحوّلاً أعمق. فمع الزمن، لم تعد الرقمنة مجرد أداة لنقل الثقافة، بل تحولت إلى بيئة كاملة يُعاد داخلها تشكيل الوعي والذائقة. هنا لم يتغير شكل الثقافة فقط، بل تغيّر معناها. العمل الفني، الذي كان يُنتَج ليُتأمل ويُناقش ويُعاش في زمن طويل، بدأ يتحول إلى محتوى يُقدَّم ليُستهلك بسرعة، ويُقاس نجاحه بعدد المشاهدات وسرعة التداول، لا بعمق الأثر.

هذا التحول لم يكن لغوياً، بل أصبح وجودياً. فحين يصبح الفن محتوى، يفقد شيئاً من صمته، ومن مقاومته للزمان. لم يعد يطالب المتلقي بالتوقف، بل صار يطارده بتدفق لا ينتهي. القيمة الجمالية لم تختفِ، لكنها لم تعد المعيار الحاسم. ما يفرض نفسه هو الرواج لا المعنى، والحضور لا البقاء.

في هذا السياق، صعدت الخوارزميات بوصفها فاعلاً مركزياً في تشكيل الذوق العام. لم تعد الذائقة تُصاغ عبر التربية والنقاش والتراكم البطيء، بل عبر أنظمة ترشيح خفية ترفع ما يشبهنا، وتُقصي ما يُربكنا. لم يعد السؤال: ما العمل الجيد؟ بل: ما العمل القابل للانتشار؟ وهكذا انقلبت العلاقة بين القيمة والاعتراف، فلم تعد القيمة تُنتج الرواج، بل صار الرواج هو الذي يمنح القيمة.

غير أن التحول الأعمق لا يمسّ الذائقة وحدها، بل يمسّ الإنسان نفسه بوصفه كائناً ثقافياً. ففي الفضاء الرقمي، لا يُنظر إلى الفرد بوصفه ذاتاً متأملة، بل بوصفه ملفاً سلوكياً، سلسلة من التفضيلات وأنماط الاستجابة. الإنسان هنا لا يواجه العمل الفني من الخارج، بل يُدرَج داخله بوصفه جزءاً من آليته. ما يشاهده، وما يُقترح عليه، وما يتكرر أمامه، لا ينبع من اختيار حر بالكامل، بل من قراءة مسبقة لسلوكه. ومع هذا الإدراج الصامت، تتآكل المسافة الضرورية بين المتلقي والعمل، تلك المسافة التي كان الفكر يولَد فيها. حين تُلغى المسافة، لا يعود هناك وقت للتساؤل، ولا للدهشة، ولا للمقاومة. الثقافة، في هذا السياق، لا تخاطب الإنسان بوصفه كائناً يسأل عن المعنى، بل بوصفه كائناً يستجيب.

الأخطر أن المنصات الرقمية لم تبقَ وسيطاً محايداً، بل تحولت إلى قوة ثقافية فاعلة، تحمل تصورات محددة عن العالم والهوية والأخلاق. فهي لا ترتّب المحتوى فقط، بل توجهه، وتدعم أنماطاً بعينها من الخطاب، وتحدّ من حضور أنماط أخرى، عبر سياسات تبدو تقنية أو قانونية، لكنها محمولة على خيارات فكرية واضحة. الرقابة هنا لا تعمل بالقمع المباشر، بل بالتوجيه الناعم، بتحديد ما يُرى وما يُهمل، وما يُحتفى به وما يُترك في الظل.

ضمن هذا التحول، تغيّرت علاقة الفنان بجمهوره. لم يعد الإبداع وحده كافياً، بل صار مطلوباً من الفنان أن يكون حاضراً دائماً، ومنتجاً لصورته، ومتفاعلاً مع إيقاع المنصات. كثيرون وجدوا أنفسهم أمام معادلة مرهقة؛ إما الانخراط في منطق الاستهلاك السريع بما يحمله من تسليع وتسطيح، وإما الانسحاب إلى هامش قد يكون أكثر نقاءً، لكنه ضعيف التأثير.

كما أعادت الرقمنة تشكيل علاقتنا بالزمان الثقافي. فكرة العمل الخالد تآكلت، وحلّ محلها منطق التداول السريع. الأعمال تظهر وتختفي، والذاكرة الجمعية صارت قصيرة النفس. لا وقت للتراكم، ولا لإعادة القراءة، ولا لاختبار الأثر البعيد. الثقافة، التي كانت تاريخاً، تحولت إلى لحظة. بهذا المعنى، ليست المشكلة في الرقمنة ذاتها، بل في غياب الوعي النقدي الذي يرافقها. فحين تُترك التكنولوجيا بلا مساءلة، تتحول من أداة إلى سلطة، وتعيد تشكيل الذائقة والمعنى وفق منطق السوق والسرعة. الثقافة لا تموت، لكنها قد تُفرَّغ من عمقها، وتفقد قدرتها على منح الإنسان معنى ومسافة للتأمل.

السؤال، في النهاية، ليس: ما الذي فعلته الرقمنة بالثقافة؟ بل: ما الذي نريد نحن أن نفعله بالثقافة في زمن أصبحت فيه السرعة بديلاً عن العمق، والانتشار بديلاً عن القيمة؟ هنا يبدأ الرهان الحقيقي، لا على التقنية، بل على الإنسان نفسه.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

أخنوش يراهن على التحولات الرقمية لرفع تنافسية الفلاحة المغربية

دار السلام مدينة الثقافة والتاريخ على الساحل الشرقي لأفريقيا

 

 

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية الثقافة والفنون في عصر التحولات الرقمية



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 15:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الأسد" في كانون الأول 2019

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2020 السبت ,11 كانون الثاني / يناير

التشريح الطبي يحدد سبب وفاة الطفلة "غزلان" في آسفي

GMT 00:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

ظافر العابدين يؤكد أنه لن يخوض سباق رمضان 2019

GMT 14:50 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

توقيف شاب سرق "معزة" من امرأة قروية في بني ملال

GMT 06:38 2018 السبت ,30 حزيران / يونيو

مجدي عبد الغني ينفي.. وبوابة أخبار اليوم تتحدى

GMT 13:29 2016 السبت ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شركة مرسيدس تكشف النقاب عن E63 و E63 S

GMT 08:14 2021 الخميس ,13 أيار / مايو

Tab 9من بلاك فيو تابلت بمواصفات لاب توب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib