بقلم : خالد منتصر
لم تكد مسألة إسلام لاعب كرة القدم البرازيلى روبرتو كارلوس ينساها الناس، بعد أن خرج علينا اللاعب فى لطمة لمجتمعنا الذى صدّق الكذبة وعاشها بكل جوارحه، لدرجة أنه رفع روبرتو كارلوس لمراتب أولياء الله الصالحين.. ما إن خمدت نار كارلوس وصارت رمادًا، حتى جاء الممثل ياسر على ماهر لينفخ الرماد، ويلقى فى وجوهنا قنبلة أخرى وهى إسلام أنتونى كوين أثناء فيلم الرسالة!!.
وبأسلوب العنعنة عن الأب الذى كان يشرف على نطق اللغة العربية فى الفيلم، صرح الفنان بهذا التصريح، وطبعا كل الشهود ماتوا، الأب على ماهر، والمخرج مصطفى العقاد، وأنتونى كوين نفسه!!، ولكن بالطبع بعدما جُرحنا فى نرجسيتنا من روبرتو كارلوس ومن قبله رونالدو وميسى ودروجبا، الذين صدقنا أنهم أسلموا ثم أُحبطنا بعد تكذيب إسلامهم، ولأننا نريد تصديق إسلام أنتونى كوين، فإن مظاهرات الحماس على السوشيال ميديا بدأت فى إقامة الاحتفالات والأفراح والليالى الملاح، لسيدنا وشيخنا زوربا، طيب الله ثراه، خاصة أن الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا وكله عند رب كريم بيتحاسب، ولا يوجد أحد على قيد الحياة، نهيص براحتنا بقى!!
لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، وأجد أمامى مصادفة فى الأرشيف، مراسم جنازة زوربا اليونانى، فقد أُقيمت لأنتونى كوين بعد وفاته مراسم داخل كنيسة، دُفن أولًا فى مراسم عائلية خاصة داخل أرض منزله فى بريستول بولاية رود آيلاند، تنفيذًا لوصيته تحت شجرة كان يحبها، وبعد الدفن أُقيمت له فى ٩ يونيو ٢٠٠١ مراسم تأبين عامة فى كنيسة First Baptist Church in America بمدينة بروفيدنس، بحضور أسرته وأصدقائه وجمهوره؛ ومن الطبيعى أن تكون قد تضمنت صلوات مسيحية وكلمات رثاء، وشهادة الممثل القدير هى شهادة سماعية منفردة، لا يوجد تسجيل، أو خطاب، أو يوميات، أو وثيقة، أو شاهد مستقل يؤيد القصة، كما لا يذكر التصريح تاريخ الواقعة أو مكانها بدقة.
والسؤال: هل اختفى أنتونى كوين خلال نصف قرن ليترك مهمة إعلان إسلامه لممثل مصرى؟!، فأنتونى كوين صوّر فيلم الرسالة فى منتصف السبعينيات، وعاش كوين حتى عام ٢٠٠١، وخلال هذه العقود أجرى مئات المقابلات وأصدر مذكراته المطولة One Man Tango سنة ١٩٩٥، ومع ذلك لا توجد عنه عبارة موثقة يعلن فيها إسلامه، كذلك لا يوجد تصريح معروف لمصطفى العقاد، ولا لأسرة أنتونى كوين أو مؤسسته الرسمية، يذكر أنه أصبح مسلمًا، وبالطبع الفنان ياسر يعرف جيدا أن الممثل لا يعتنق بالضرورة عقيدة الشخصية التى يؤديها، كوين أدى شخصيات مسيحية وتوراتية ويونانية وعربية وهندية، وأداؤه المقنع لحمزة أو عمر المختار دليل على موهبته، لا على ديانته.. ثم هناك سؤال مهم يطرح نفسه: لماذا يخفى أنتونى كوين على العالم أنه غير ديانته؟، الأجانب لديهم شجاعة المواجهة، وثقافة الشفافية، ونجوم هوليوود لا يخجلون من إعلان تحولاتهم الدينية أو حتى إعلان إلحادهم، فالنجم «ماهرشالا على» نشأ مسيحيًا، ثم اعتنق الإسلام سنة ٢٠٠٠، وغيّر اسمه من Mahershalalhashbaz Gilmore إلى Mahershala Ali، وتحدث علنًا عن إسلامه وزيارته للمسجد، وجوليا روبرتس نشأت فى بيئة مسيحية، ثم أعلنت فى حوار مع مجلة Elle سنة ٢٠١٠ أنها أصبحت هندوسية ممارسة، وأنها تزور المعبد مع أسرتها، وريتشارد جير، نشأ فى أسرة مسيحية، ثم اعتنق البوذية التبتية فى شبابه، وأصبح من أشهر المؤيدين للدالاى لاما وقضية التبت، رغم أن ذلك تسبب فى مشكلات مهنية وسياسية ومنعه من دخول الصين، وإليزابيث تايلور: تركت المسيحية واعتنقت اليهودية رسميًا سنة ١٩٥٩، بعد دراسة استمرت عدة أشهر، واتخذت اسمًا عبريًا هو إليشيبا راحيل، وظلت تعلن هويتها الجديدة حتى أُقيمت لها جنازة يهودية، وغيرهم كثيرون.
إذن، حجة وتبرير أن أنتونى كوين خاف على أكل عيشه فى هوليوود تم إبطالها.. يا عزيزى العنعنات لم تعد تنفع فى زمن التوثيق الديجيتال، والطريق إلى جهنم مفروش أحيانًا بالنيات الحسنة.