الرئيسية » عالم الاقتصاد والمال
النفط الخام

الرباط - المغرب اليوم

يشهد سوق الطاقة العالمي مرحلة من الاضطراب الحاد في ظل التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، وهي منطقة تؤمن جزءا أساسيا من إمدادات النفط والغاز إلى الأسواق الدولية. هذا التوتر انعكس بسرعة على أسعار الخام التي سجلت ارتفاعات ملحوظة في البورصات العالمية، وسط مخاوف من تعطل محتمل لسلاسل التوريد أو إغلاق ممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم. هذه التطورات أعادت إلى الواجهة هشاشة التوازنات الطاقية الدولية، ودفعت عددا من الدول المستوردة إلى تعزيز إجراءات المراقبة والاستباق تحسبا لأي اضطراب مفاجئ في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار.
المغرب، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد حاجياته من الطاقة الأحفورية، يتابع بدوره هذه التحولات عن كثب، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على كلفة الواردات الطاقية وعلى التوازنات المالية المرتبطة بميزان الأداءات. وتشير معطيات السوق إلى أن أي ارتفاع مستمر في أسعار النفط يتجاوز عتبة 90 دولارا للبرميل ينعكس تلقائيا على فاتورة الطاقة للمملكة، التي تجاوزت في بعض السنوات 150 مليار درهم عندما بلغت الأسعار مستويات قياسية. ومع أن الأسعار لا تزال تتحرك ضمن مستويات أدنى من تلك التي سجلت عقب الحرب في أوكرانيا سنة 2022، فإن حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق تبقى عاملا مقلقا بالنسبة للدول المستوردة.
في هذا السياق أصدرت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بلاغا أكدت فيه أن وضعية التموين بالمواد الطاقية في المغرب "عادية ولا تدعو إلى القلق"، مشيرة إلى أن السوق الوطنية تتوفر على مخزون كاف من المنتجات البترولية وأن السلطات تتابع تطورات الوضع الدولي بشكل مستمر. غير أن هذا البلاغ، رغم طابعه التطميني، أثار تساؤلات في الأوساط المتتبعة لقطاع الطاقة بسبب غياب معطيات دقيقة حول مستوى المخزون الاستراتيجي المتوفر فعليا في البلاد. فالوزارة اكتفت بالإشارة إلى توفر الاحتياطات دون الكشف عن حجمها أو المدة التي يمكن أن تغطيها في حال حدوث اضطرابات حادة في الإمدادات الدولية.

هذا الغياب للتفاصيل يعيد النقاش حول إشكالية المخزون الاستراتيجي للمواد البترولية في المغرب، وهو ملف ظل مطروحا منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015. فالقانون المنظم للقطاع يلزم الفاعلين بتوفير مخزون أمان يعادل في المتوسط ستين يوما من الاستهلاك، غير أن تقارير برلمانية سابقة أشارت إلى أن مستوى التخزين الفعلي كان في فترات معينة أقل من هذا السقف، ما يطرح تساؤلات حول قدرة السوق على امتصاص صدمات مفاجئة في الإمدادات الدولية. وفي ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، كان من المنتظر أن يقدم البلاغ الحكومي معطيات أكثر دقة حول وضعية التخزين الوطني، سواء لدى الشركات المستوردة أو على مستوى البنيات التحتية اللوجستية المرتبطة بالموانئ ومستودعات التخزين.
كما لم يتطرق البلاغ إلى طبيعة التدابير الاحترازية أو الاستباقية التي يمكن أن تعتمدها السلطات في حال استمرار التصعيد العسكري واتساع رقعته. فالتجارب السابقة أظهرت أن تقلبات أسعار الطاقة قد تفرض على الحكومات اتخاذ إجراءات متعددة تتراوح بين تعزيز المخزون، وتنويع مصادر الاستيراد، وتكثيف مراقبة الأسواق الداخلية لتفادي المضاربات. ورغم أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في تنويع مورديه من المنتجات النفطية بين أوروبا وأمريكا وآسيا، فإن غياب معطيات رسمية مفصلة حول خطط الطوارئ يجعل النقاش العمومي حول جاهزية المنظومة الطاقية الوطنية مفتوحا على عدة تساؤلات.

في المقابل، تحاول المملكة تقليص درجة تعرضها لصدمات الأسواق الدولية عبر تسريع مشاريع الطاقات المتجددة التي أصبحت تشكل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الطاقية الوطنية. فقد ارتفعت حصة الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة إلى ما يقارب 40 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة، في أفق بلوغ 52 في المائة بحلول سنة 2030. غير أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، لا تلغي اعتماد الاقتصاد الوطني على واردات النفط والغاز، خصوصا في قطاعات النقل والصناعة.
ومن بين الملفات التي تظل مرتبطة بشكل غير مباشر بتقلبات السياق الجيوسياسي الدولي، أجندة الاستثمارات الخليجية في قطاع الطاقة بالمغرب. فخلال السنوات الأخيرة، برزت شراكات استثمارية مهمة تجمع فاعلين مغاربة بصناديق وشركات طاقة خليجية، خاصة في مجالات إنتاج الكهرباء والطاقات المتجددة. ويعد تحالف شركة ناريفا، التابعة لمجموعة المدى، مع شركة "طاقة" الإماراتية من أبرز الأمثلة على هذه الشراكات، حيث يدير الطرفان عدة محطات لإنتاج الكهرباء في المغرب ضمن شركة "طاقة المغرب"، التي تعد من أكبر المنتجين الخواص للكهرباء في المملكة بطاقة إنتاجية تتجاوز ألفي ميغاواط.
هذا النموذج من التحالفات يعكس تحولا في طبيعة الاستثمارات الخليجية بالمغرب، التي انتقلت تدريجيا من قطاعات العقار والسياحة إلى مشاريع استراتيجية في الطاقة والبنيات التحتية. وتراهن الرباط على هذه الشراكات لتسريع تطوير قدراتها الإنتاجية في الكهرباء وتعزيز جاذبية مشاريع الهيدروجين الأخضر التي بدأت تستقطب اهتمام مستثمرين دوليين. غير أن استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط قد يؤثر، ولو بشكل غير مباشر، على إيقاع بعض الاستثمارات الخارجية للصناديق السيادية الخليجية، خصوصا إذا أدى التصعيد إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية أو توجيه جزء أكبر من استثماراتها نحو أسواق قريبة من محيطها الإقليمي.

ورغم هذه الاحتمالات، يظل المغرب بالنسبة لعدد من المستثمرين الخليجيين وجهة مستقرة نسبيا في محيط إقليمي مضطرب، بفضل الإطار القانوني المنظم للاستثمار واستقرار مؤسساته الاقتصادية. غير أن إدارة المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق الطاقية العالمية تظل رهينة بمدى وضوح السياسات العمومية في هذا المجال، وبقدرة السلطات على توفير معطيات دقيقة وشفافة حول وضعية الإمدادات والمخزون وخطط الطوارئ، وهي عناصر تبقى ضرورية لتعزيز الثقة في قدرة المنظومة الطاقية الوطنية على مواجهة صدمات سوق يزداد اضطرابا يوما بعد آخر.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

تسجيل تراجع ملحوظ في أسعار البنزين والغازوال بالمغرب

 

الحكومة السورية تخفض أسعار المحروقات وتعلن عن خطة لإعادة هيكلة قطاع الطاقة

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

يونس السكوري يكشف عن تعديلات جديدة تُنصف مفتشي الشغل…
أميركا تسعى لسحب نحو 92.5 مليون برميل من احتياطي…
قيوح يطمئن مهنيي النقل الدولي حول أزمة التأشيرة ويؤكد…
تداعيات انسحاب الإمارات من أوبك على تماسك المنظمة والعلاقات…
البنك الدولي يؤكد أن المغرب قادر على خلق 1.7…

اخر الاخبار

أبو الغيط يدين قصف مطار الخرطوم ويحذر من تصعيد…
وزيرا خارجية السعودية والأردن يؤكدان مواصلة التنسيق المشترك لبحث…
غوتيريش يشيد بدور المغرب في تعزيز السلام ويثني على…
محمد ولد الرشيد يمثل الملك محمد السادس في حفل…

فن وموسيقى

تامر حسني يختتم مهرجان موازين في المغرب بحفل ضخم
أحمد زاهر محطات فنية صنعت نجوميته في الدراما والسينما
تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر وسط متابعة ودعوات…
شيرين عبدالوهاب تعلن عودتها القوية وتكشف كواليس تعافيها وتطلب…

أخبار النجوم

نبيلة عبيد تكشف موعد استئناف تصوير مسلسل جذوى بعد…
أحمد عز يكسر غيابه الدرامي بإنتاج عالمي ضخم في…
أحمد حلمي يراهن على حدوتة وأضعف خلقه لاستعادة عرش…
يوسف الشريف يخوض سباق رمضان 2027 بمسلسل رعب تشويقي

رياضة

نيمار دا سيلفا يشعل سانتوس بصدام عنيف في التدريبات
قفزة قياسية بأسعار تذاكر الكلاسيكو وتجارب فاخرة تصل إلى…
محمد صلاح أيقونة خالدة في تاريخ ليفربول
السنغال تلتمس عفو الملك محمد السادس عن مواطنيها المعتقلين…

صحة وتغذية

دواء جديد يمنح أملاً في الوقاية من سرطان الثدي
الذكاء الاصطناعي يكشف أخطر أنواع السرطان ويعزز فرص التشخيص…
التمارين عالية الكثافة تسرِّع الشفاء بعد جراحة سرطان الثدي
تقنية جديدة في الخلايا الجذعية لعلاج أمراض الدم والسرطان

الأخبار الأكثر قراءة

إيران تدرس فرض رسوم عبور على السفن في مضيق…
ترقب يهيمن على الأسهم الآسيوية وسط توترات الشرق الأوسط…
الدولار يحافظ على مكاسبه مع تراجع توقعات رفع الفائدة…
استقرار أسعار الذهب مع ترقب تطورات الشرق الأوسط وتأثيرها…
ارتفاع أسعار النفط مع تقييم المستثمرين لآفاق التهدئة في…