تواجه المؤسسات الإعلامية العالمية عقبات هيكلية وثقافية تعرقل دمج التقنيات الحديثة، إذ أشارت دراسة دولية حديثة إلى أن «المقاومة الثقافية، أو التشكك، تمثل عائقاً أمام التَّوسُّع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار»، وهو ما قد يعني أن عملية الاعتماد المرتقبة داخل غرف الأخبار قد تستغرق وقتاً وجهداً أطول مما هو متوقع.
شركة «إف تي ستراتيجيز»، الذراع الاستشاريّة المتخصّصة في مجال الإعلام والتجارة الرقمية التابعة لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أجرت يوم 21 يوليو (تموز) الحالي، دراسةً بالتعاون مع «وان-إفرا»، الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار، شملت 448 مشاركاً في غرف الأخبار بـ86 دولة. وأشارت الدراسة إلى أنَّ 52 في المائة من المشاركين رأوا أن «المقاومة الثقافية» للصحافيين هي العائق الأبرز أمام دمج الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار.
كذلك لفتت الدراسة إلى «افتقار 61 في المائة من المؤسّسات لخبرات الذكاء الاصطناعي أو المهارات التقنية الداخلية، فضلاً عن إقرار 45 في المائة من المستطلعين بوجود غموض في حالات الاستخدام أو التوجه الاستراتيجي».
الدراسة رجّحت أيضاً أن «جزءاً من المشكلة يعود إلى أن رؤية الذكاء الاصطناعي غالباً ما تُصاغ خارج غرفة الأخبار نفسها، مع غياب شبه تام لأدوار تحريرية مخصصة لهذا المجال». وعدَّت أن «إشراك الصحافيين مباشرة في منظومة التكنولوجيا قد يخفّف من مشكلات التواصل ومشاعر المقاومة داخل الفريق».
خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، إن «الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءاً من العمل الصحافي اليومي... ونجاح دمجه يبدأ من النظر إليه بوصفه مساعداً للصحافي، لا بديلاً عنه». وأردف أن «الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على تولّي كثير من المهام الروتينية التي كانت تستهلك وقت الصحافي، مثل تفريغ المقابلات، وترجمة المحتوى، وتلخيص الوثائق، وتحليل كميات كبيرة من البيانات، واقتراح العناوين».
وتابع سيمو أن «نقل هذه المهام الروتينية المستهلكة للوقت والجهد للآلة سيتيح للصحافي التفرّغ لما يشكِّل جوهر المهنة، مثل البحث، والتَّحقُّق، وإجراء المقابلات، وصناعة القصة الصحافية».
وبالنسبة إلى آليات التوظيف الفعال، ذكر سيمو أن «الدمج الفعال للذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار يشمل تقديم الأدوات الصحيحة للصحافيين، إذ ليست نماذج الذكاء الاصطناعي كلها تصلح لغرف الأخبار، وعادة تطلب غرف الأخبار دمج مجموعة متنوعة من المساعدات الذكية باختصاصات وإمكانات متعددة». ثم أضاف: «تحتاج أدوات الذكاء الاصطناعي إلى إعداد وضبط لضمان الوصول إلى أقصى إمكاناتها في المجال الصحافي، وفي الوقت نفسه ضمان اتساق مخرجاتها مع السياسات التحريرية والمعايير المهنية للمؤسسة». وشدَّد من ثم على أنه «من المهم أيضاً دمج أدوات الذكاء الاصطناعي داخل أنظمة إدارة المحتوى والنشر، بحيث تصبح جزءاً طبيعياً من سير العمل، ومتاحة للصحافي في مختلف مراحل إنتاج الخبر والقصة الصحافية... ثم إن الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي تتطلب إتقان مهارات مثل هندسة الأوامر، وهندسة السياق؛ لأن جودة المخرجات تعتمد بدرجة كبيرة على جودة التوجيه الذي تتلقاه هذه الأنظمة».
وفي سياق متصل بالحدود المهنية، أوضح هاني سيمو أنه «مع التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي، قد تختلف الإجابة عن هذا السؤال خلال أشهر، وربما أسابيع»، لكن في الوقت الراهن يرى أنه «من المخاطرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرار التحريري النهائي بصورة مستقلة، وأن يُترَك له وحده تقرير ما يُنشَر وما لا يُنشَر، أو تقييم حساسية القضايا السياسية والإنسانية، أو إجراء التحقق النهائي من صحة المعلومات». وأكد أن «القاعدة الذهبية حتى الآن هي أن الذكاء الاصطناعي يُسرّع العمل؛ لكنه لا يتحمَّل المسؤولية التحريرية والأخلاقية والإنسانية».
من جهة ثانية، توضح مديرة «إف تي ستراتيجيز» ليزا ماكليود، بحسب «بريس غازيت»، أن «نتائج الدراسة تمثل جرس إنذار حول قلة استعداد كثير من غرف الأخبار لمرحلة مقبلة مليئة بالاضطراب».
وهنا تشير دعاء عمار، الصحافية المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، إلى أن «بناء الثقة بين الطرفين يكمن في التعلم والتدريب للصحافي على أدوات الذكاء الاصطناعي لتكون مساعدة له. وفي بعض المهام، مثل الترجمة أو تفريغ الحوارات أو البحث عن المصادر، يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بهدف تفريغ الوقت للإبداع الحصري، كالتحقيقات الأصلية وإجراء المقابلات الحصرية والتجارب الميدانية».
وأضافت عمار في حوار مع «الشرق الأوسط» أنه «لا بد من أن تكون هناك سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، مع توافر الشفافية حول متى وكيف يُستخدَم داخل غرفة الأخبار، وكذلك إشراك الصحافيين في اختيار الأدوات المناسبة لهم».
وحول الحدود الفاصلة، لفتت إلى أن «حدود الذكاء الاصطناعي هي أن يكون مساعداً ويظل مساعداً للأبد، وهناك مهام يجب أن تظل مسؤوليةً بشريةً بالكامل مثل التحقق النهائي من المعلومات والمصادر، وتغطية القضايا الحساسة التي تحتاج إلى فهم وليس مجرد معالجة للنصوص، لأن المسؤولية المهنية والأخلاقية أولاً وأخيراً تظل على عاتق الصحافي وليس الذكاء الاصطناعي».
واختتمت بالقول أن «الصحافي يستطيع تطوير مهاراته عن طريق أن يجعل المحتوى مسؤوليته البشرية الأصيلة ويستخدم الذكاء الاصطناعي في تسهيل عرض ذلك المحتوى»
قد يهمك أيضا
عمالقة الذكاء الاصطناعي يواجهون اختباراً صعباً مع تصاعد المنافسة الصينية
الإعلام والأمن الوطني في زمن الصراعات الإقليمية
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر