تونس - حياة الغانمي
رغم تشديد الحكومة التونسية على الإجراءات الأمنية والجمركية على مهربي الوقود في المعابر الحدودية مع ليبيا، الا أن هؤلاء يوسعون نشاطهم يوما بعد الآخر، بينما يؤكد العديد من الخبراء أن توسع نشاط التهريب في المنطقة الحدودية الجنوبية حوّل مدينة بن قردان التي تعد نقطة ارتكاز مهمة في التجارة الموازية إلى ما يشبه الدولة داخل الدولة، ما أدى إلى احتجاج تجار الوقود المهرب على أساس أنهم أصحاب حق مطالبين الدولة بتسهيل عملهم "غير الشرعي".
وتفيد المعطيات المتوفرة أن أغلب محطات الخدمات في ولايات الجنوب قد أغلقت أبوابها ما عدا عددًا قليلًا من الشركات الحكومية التي تكتفي بتزويد السيارات الإدارية وأسطول النقل الحكومي، حيث أن الدولة لم تستطع السيطرة على مهربي الوقود، ويتم تهريب الوقود عبر شبكات محكمة التنظيم حيث تسيطر كل مجموعة على منفذ وتتواصل مع أجهزة الدولة من أمن وجمارك، وقد قلص الساتر الترابي الذي أقامته الحكومة على الحدود الجنوبية من تحركات المهربين، ما جعلهم يحتجون علنا رغم نشاطهم غير القانوني.
ويعد المساس بمصالح مهربي البنزين بمثابة الخط الأحمر بالنسبة إلى أهالي بن قردان الذين قايضوا تعطل مشاريع التنمية في منطقتهم مقابل النشاط في التجارة الموازية، وحسب مصادرنا الخاصة، فأنه يتواجد في تونس بين 100 و150 من بارونات تهريب المحروقات منتشرين بالخصوص في مناطق الجنوب والوسط ويقومون بتسيير شبكة من المهربين تضم نحو 20 الف شخص، وقد تسببت هذه الظاهرة في نقص في المداخيل الجبائية للدولة بنحو 400 مليون دينار، ومع ذلك فأن 34% من المستهلكين يفضلون اقتناء المحروقات المهربة، اذ أن هؤلاء المستهلكين غالبًا ما يلجؤون إلى الاقتصاد الموازي للحصول على مشترياتهم نظرًا لأسعاره المنخفضة مقارنة بالمحروقات التي تباع بالمحطات (فارق يتراوح بين 600 و700 مليم في اللتر الواحد).
ويحتل بارونات التهريب الاراضي الحدودية وهم يهربون عديد المنتوجات ولا سيما التبغ والمواد الكهرومنزلية والمواد المخدرة والاسلحة، ومن بين الاسباب التى تقف وراء انتشار هذه الظاهرة خلال السنوات الاخيرة، هي التعاطي السلبي للحكومة مع هذا الملف إلى جانب تدهور القدرة الشرائية للمستهلك التونسي وتبسيط واستسهال الفساد، فيما يرى المتابعون أن الدولة يجب أن تكون حاضرة بقوة في المناطق الحدودية ويتعين عليها مقاومة ومحاربة هذه الظاهرة مع العمل على تحسيس المواطنين بخطورة المنتوجات المهربة والتوجه نحو الادراج التدريجي للمهربين في الاقتصاد المنظم.
ويمثل التهريب أكثر من نصف المعاملات التجارية للبلاد مع ليبيا، لكن من الصعب تقدير مستوى التجارة غير الرسمية مع الجزائر لأنها أكثر انتشارا وأكثر سرية، ومع ذلك يمكن تقدير أن ما يقارب ٪25 من البنزين المستهلك في تونس هو في شكل واردات غير رسمية من الجزائر، وتعتبر تجارة الوقود وزيت الوقود هي الأكثر رواجا وتعتمدها أكثر من ٪60 من الشاحنات المشاركة في هذا النشاط، كما ينشط التهريب كثيرا في ميدان السجائر بين تونس والجزائر.
ويعتبر ملف تهريب الحديد من الجزائر إلى تونس من أخطر الملفات حيث إنه توجد حركة كبرى لتهريب قضبان الحديد مصدرها الجزائر وهي لا تخضع للضرائب بموجب الاتفاقات التجارية بين الجزائر وتونس، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن قضبان الحديد المهرّبة من نوعية رديئة نسبيا مقارنة بما هو مطلوب في صناعة البناء والتشييد في تونس، حيث كانت تونس دوما حريصة على نوعية جيدة من الحديد بعيدة عما تنتجه السوق الموازية وهذا قد يطرح إشكاليات خطيرة في المستقبل.
هذا النشاط غير القانوني، كان ذا اتجاهين، فالمواد المهرّبة لم تقتصر على تلك الواردة من الجزائر أو ليبيا من محروقات وسجائر وبضائع متنوّعة، ولكنّ قوافل التهريب التي تدخل البلاد كانت تغادرها محمّلة بمختلف السلع التونسيّة وخصوصا المواد الغذائيّة، وهي عمليّة أدّت إلى الضغط على الأسواق التونسيّة خصوصا بعد أن أصبح التهريب يشمل بعض المنتجات المدعمة مثل السكّر والمعجّنات الغذائية والزيوت النباتية والحليب، والتّي ارتفعت نفقات دعمها خلال السنوات الأخيرة بنسبة 270 %، ممّا فاقم من عجز التوازنات الماليّة للدولة، كما أدّى استنزاف الموّاد الغذائيّة في تونس وتسريبها إلى الخارج عبر مسالك غير خاضعة لرقابة الدولة إلى شحّ بعض هذه المواد في السوق المحليّة وارتفاع نسبة التضخّم بشكل محسوس وهو ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائيّة للمواطن التونسيّ.


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر