الدار البيضاء - جميلة عمر
تحل اليوم الاثنين الذكرى 13 لأحداث 16 أيار/مايو الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء خلال سنة 2003، والتي عرفت بأسوأ الهجمات وأكثرها دموية في تاريخ بلاد المغرب, وكانت تفجيرات على شكل سلسلة من الهجمات المتزامنة بالأحزمة الناسفة وقعت مساء يوم الجمعة 16 أيار/مايو 2003, وكان الأمر أشبه بالكابوس، حيث امتزجت الدموع بالتأوهات، وأصبحت الأقدام عاجزة عن حمل أصحابها ممن كانوا بمواقع الأحداث، في ظل حديث عن جثث وأشلاء شوهدت بأكثر من موقع.
ووصفت بأنها كارثة حلت بالعاصمة الاقتصادية، وسرت أخبارها كما تسري النار في الهشيم، انفجار تلو الآخر ، أُعتقد في الأول، أنه لن يخرج عن دائرة انفجار أنبوبة غاز أو مولد كهربائي, لكن الحقيقة كانت أكبر من ذلك وأشد فزعا ، إنه الإرهاب الدخيل على المغرب ، والذي لم نكن نراه إلا في دولة فلسطين الحبيبة التي دمرها الإرهاب الصهيوني, أشلاء مرمية هنا وهناك ، ودمار كبير أصيبت به كل واجهات الأماكن التي عرفت فيها التفجيرات خاصة فندق فرح والنادي الإسباني الذي شهد أكبر عدد من الضحايا.
وسقط الناجون ممن نفذوا تخريب الوطن وسفكوا دماء الأبرياء ، في يد المخابرات المغربية التي تمكنت من رصد أماكنهم، واعتقالهم, وخلال التحقيقات الأولية معهم اعترفوا على أن عملية الإعداد لهذه العملية الإرهابية استغرق ستة أشهر، وعمل خلالها "الأمير الوطني" للإرهابيين على تشكيل خلايا في كاريان طوما واستقطاب الشبان وسط الأحياء االمهمشة قبل الانتقال إلى صنع المتفجرات وتحويل المدينة في تلك الليلة إلى جحيم دموي.
وكانت أولى خطوات "أمراء" الإرهابيين تحديد موقع وجود الانتحاريين المحتملين، فوقع الاختيار على كاريان طوما الذي يتميز بانتشار الأمية والبطالة بين صفوف شبابه وشبه انعدام للأمن بين "براريكه" القصديرية، فبدأت العناصر الأولى من الإرهابيين في عقد عدة اجتماعات بمنازل متعددة وسط أزقة الكاريان، ومنها دكان عبد الرزاق الرتيوي الذي خصص جزءا من محله التجاري لعقد تلك الاجتماعات، أو الاجتماع بمنازل متعددة لاستقطاب عناصر جديدة في خطة محكمة نسجها عبد الحق الملقب بـ "مول السباط".
وجمعت بين الإرهابيين علاقة الجوار داخل كاريان طوما، وهي خطة رمت إلى استغلال طبيعة الكاريان المهمش لتشكيل خلايا بدت لدى باقي السكان وقاطني الكاريان مجرد علاقة جوار والتزام ديني، فعبد الحق "مول السباط" لم يكن يجرؤ طيلة تلك الفترة على القدوم للكاريان إلا لماما حفاظا على سرية النواة الأولى للإرهابيين عملية استقطاب شبان كاريان طوما، كانت جارية على قدم وساق، مستغلين توافد الشبان على مسجد الحي كنقطة أولى لاستدراج الشبان المغرر بهم آنذاك، ولم تمض إلا أسابيع قليلة حتى وصل عددهم إلى حوالي 16 شابا، ومخافة ضبطهم أمنيا عمد الانتحاري "عبد الرحيم" إلى تقسيمهم إلى أربع مجموعات تجتمع كل واحدة على حدة، عند شخص معين، وبذلك بدأت مع مرور الأيام تترسخ معالم التنظيم الإرهابي بين أزقة كاريان طوما
وتطورت اجتماعات الإرهابيين، ولم تعد تقتصر على حفظ القرآن أو الأحاديث النبوية، فقبل ثلاثة أشهر من وقوع انفجارات مدينة الدارالبيضاء بدأ استعمال الأشرطة السمعية وأشرطة الفيديو لبث الأفكار الإرهابية في صفوف المستقطبين الجدد, كما شرعوا في مشاهدة الأشرطة بشكل جماعي خاصة شريط "جحيم الروس"، و"عشاق الشهادة"، فالخطة انبنت منذ البداية على استدراج الوافدين الجدد لكمين الإرهاب, وكانت الخطوة المقبلة للإرهابيين وفق ما رسمها أمراؤها محاولة غسل دماغ المستقطبين بصفة نهائية، وانتقل تنظيم الإرهابين في الخطوة الموالية بعد التشبع بأفكار التكفير على يد الشيوخ إلى الاستعداد البدني للقيام بالعمليات الإرهابية، فكانت وجهتهم بالأساس إلى منطقة الواد المالح القريب من المنطقة، وهناك كانوا يعتكفون لأيام عديدة وصلت إلى أشهر للاستمرار في عملية غسل الدماغ حيث ألقى خلالها محمد مهني (من الإرهابيين الانتحاريين) درسا، أما خوض التدريبات الرياضية فكلف بها رشيد جليل الذي لقنهم بعض مبادئ رياضة فنون الحرب، باعتباره حاصلا على درجة متقدمة في رياضة «الكونغ فو»، وفي إطار اتخاذ الحيطة والحذر دائما كانت بعض العناصر تتكلف بحماية «مخيماتهم» في المنطقة من خلال الحراسة ليلا مستعملين هراوات.
وبدأ الاستعداد للقيام بالعمليات الإرهابية في مدينة الدار البيضاء، وكان لا بد من الحصول على المتفجرات بأية طريقة، وكذا كيفية صنعها، وحين أصبحت إمكانية صنع المتفجرات متاحة، وبدأ الاستعداد للقيام بالعمليات الإرهابية إلا أن قلة عدد الانتحاريين آنذاك دفعت عبد الحق "مول السباط" إلى توجيه أوامره إلى أتباعه لاستقطاب عناصر جديدة، وتنفيذا لهذه الأوامر قام عبد الفتاح بويقضان وياسين لحنش كل واحد منهما في نطاق الحي الذي يقطن به على استقطاب عدد كبير من الشبان للانضمام إلى تنظيمهم، وتم تقسيمهم على أربع مجموعات مخصصة للاستقطاب، على رأس كل واحدة منها عبد الصمد الولد، خالد مراسل، ياسين لحنش، وعبد الفتاح بويقضان.
ووصلت لحظة الحسم بالنسبة إلى الإرهابيين، يوم تاسع أيار/مايو 2003، حينها تم اتخاذ قرار بالقيام بالانفجارات بمدينة الدار البيضاء، بعد الانتهاء من العمليات التحضيرية، وبعدما أصبحت المتفجرات جاهزة، وكلف سعيد عبيد بالقيام بجولة استطلاعية حول الأماكن المستهدفة، وتلقى عبد الفتاح بويقضان من أميره عبد الحق "مول السباط" تعليمات جديدة بتنفيذ العمليات الإرهابية يوم تاسع ماي ،وفي منزل محمد العماري اجتمع كل من عبد الفتاح بويقضان، وبلقايد، ومحمد مهني، وحسن الطاوسي لمناقشة الأمر، وخرج الجميع بتغيير موعد تنفيذها في التاسع من ماي باتفاق بين عبد الفتاح بويقضان وعبد الحق بنتاصر "مول السباط"، فاتخذ قرارا بالاتفاق مع عبد الحق «مول السباط» قصد تأجيلها إلى يوم الجمعة 16أيار/مايو 2003 ذكرى العيد الوطني لرجال الأمن.


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر