المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية
آخر تحديث GMT 03:57:39
المغرب اليوم -

يُعد من أهم عناصر الفن المعماري والزخرفي الإسلامي

المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية

"المقرنص" يعطي جمالية خاصّة في هندسته وتشكيلاته الفراغيّة ثلاثيّة الأبعاد
القاهرة ـ أسامة عبدالصبور

"المقرنص" عنصر مهم من عناصر الفن المعماري والزخرفي الإسلامي، تأتي أهميته من الجمالية الخاصّة في هندسته وتشكيلاته الفراغيّة ثلاثيّة الأبعاد، كمنحوتات تجريديّة تحاكي الطبيعة بمنهجيّة فكريّة إسلاميّة صوفيّة المستوى، وتؤدّي أيضًا دورًا إنشائيًا في الانتقال والتحوّل من شكل هندسي إلى آخر، ومن سطح إلى آخر أيضًا، وهو حرفٌ بالغ الأهمية في أبجديّة الفن الإسلامي.

ويكشف الباحث علي اللواتي في تعريفه، أنه "عنصر ينتمي في آن واحد إلى العمارة والزخرفة، ويتكوّن من تجمّع عناصر في شكل مستويات منحنية ترجع في الأصل إلى تنضُّد التجاويف الحاصلة في مستوى العقود الركنيّة عند المرور من المستوي المربع إلى الدائرة في القباب الإيرانية".

المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية

وتعود نشأة "المقرنصات" إلى بداية انتشار استخدام المثلّثات الكرويّة المتدلية في أركان الفراغ المعماري كعنصر إنشائي للوصول إلى التغطية القببية وأنصافها، إذ يرجع الفضل في ابتكارها وتطورها إلى العرب الساميين، ليتمّ بوساطتها الانتقال والتحول من الشكل المربع إلى المستدير لترتكز على الحافّة السفلية للقبّة.

ومن الأمثلة المهمة في بلاد الشام لقباب محمولة على مثلّثات كرويّة، من نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الميلادي مقرنصات قصر النويجس بالقرب من عمّان، وفي حمّام بالقرب من البتراء (الأردن)، ولقد سميّت المثلّثات الكرويّة بالطاقة المفردة أو عقد الزاوية، وثمة عدد من الأمثلة على استخدامها في العهد الساساني في آسيا الوسطى، تعود إلى القرن الثالث الميلادي، وفي قصور فيروزباد، وشيرين، وسرفستان، كما استخدم البيزنطيون أيضًا المثلثات الكروية في التغطية القببية كحنيات ركنية، في تحفة الفن البيزنطي «كاتدرائية آية صوفيا» فيإسطنبول، وذلك بمنزلة هوابط تزيينية.

المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية

 وفي ما بعد حدث تطوير للطاقة المفردة "المثلّثات الكرويّة أو الحنيات الركنية"، يعود الفضل فيه إلى الإيرانيين، لتصبح تسميتها في ما بعد "المقرنصات" وهناك أمثلة على ذلك في مدفن "غنادي كابوس" وفي كورنيش مدفن "جنبادي علي"، وفي مقام "تيمي" بالقرب من بخاري.

وفي عام 1956 تمّ اكتشاف قطع عدة من مواد مختلفة، ما بين الطين والآجر والسيراميك، وذلك في قلاع بني حماد في شمالي إفريقيا، وقد عُدَّت هذه القطع بتشكيلاتها الطريفة والغريبة أقدم العناصر القريبة في تكويناتها إلى "المقرنصات".

المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية

وهناك عدد من الأمثلة المعماريّة المبكّرة التي استخدمت الطاقة المفـردة "الحنية الركنيّة" مثل قُصَير عمرة، وحمام الصرخ في الحجرة الساخنة في الأردن، وفي جامع أحمد بن طولون في مصر، وبازدهار العمارة الإسلاميّة تطورت "المقرنصات" وازدهرت في معظم البلاد التي انتشر فيها الإسلام.

وما يوجد في المغرب والأندلس يدل على أنّ المقرنصات عنصر متميّز من عناصر التزيين الداخلي، إذ طورت واستخدمت الاستخدام الأمثل في ظلّ دولة الموحّدين في القرن الثاني عشر ومنتصف القرن الثالث عشر، ومن ثمّ تابع المرينيّون والسعديّون تطويرها حتى القرن السادس عشر، ومن أهم الأمثلة في الأندلس قصور الحمراء التي بناها السلطان يوسف الأحمر (733 - 755 هـ/ 1333 - 1354م)، وابنه محمد الخامس (755 - 792 هـ/ 1354 - 1391 م)، حيث أدت "المقرنصات" دورًا مُهمًا في العمارة الداخلية لتلك القصور بتنوعها ووفرة استعمالها في تغطية القباب، والأركان، والطنف، والأقواس.

المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية

أمّا في بلاد الشام، فقد استُخدمت أوّل مرّة في العناصر المعمارية والزخرفية في العهد السلجوقي والأتابكي ما بين 1075 - 1175 م، ومن أهم الأمثلة الموجودة في دمشق والتي شيّدها الملك الملقّب بالشهيد العادل نور الدين محمود بن زنكي، القبّة والقبوَة في المدرسة النورية الكبرى في سوق الخياطين، وقبّة البيمارستان النّوري وقبوته في محلة الحريقة، والتي تغطّيها "المقرنصات" من الداخل والخارج.

وفي العهد الأيّوبي الذي امتدّ من 1174 إلى 1259 م، صارت العناصر في العمارة والزخرفة أكثر استقرارًا باستعمال الحجارة المنحوتة، وشيوع استخدام المقرنصات الحجرية في مداخل الأبنية العامّة مثل المدارس والبيمارستانات.

أمّا في العهد المملوكي الذي امتدّ من 1259 - 1516 م، وهي فترة طويلة نسبيًا تميزت بالترف والإسراف في التزيين والزخرفة، فقد استعملت الحجارة المنحوتة والملوَّنة، وصارت "المقرنصات" دلّايات منحوتة تُستخدم في مداخل الأبنية الدينية، في أفاريز المآذن وشرفاتها والواجهات الداخلية والخارجية لمختلف الأبنية العامة، والأمثلة عليها كثيرة في بلاد الشام ومصر.

وفي العهد العثماني، أخذت "المقرنصات" تظهر بأشكال مختلفة، ومالت إلى الأشكال الموشوريّة، واستخدام الخطوط المستقيمة في محاريبها، بعد أن زاد تنوّعها واستخدامها، ولم يعد يقتصر وجودها في الأماكن العامّة والدينيّة، بل استخدمت في الأبنية السكنية، وفي مداخل الخانات، وفي السُبُل، وفي أعالي النوافذ، وتيجان الأعمدة، وفي الأسقف، والمنابر، وقطع الأثاث، وكان لدخول التخريم إلى سطوحها دور مهم في خلق تناغم جديد ما بين الظلال الناتجة من الكتل النافرة والغائرة في التكوين، والأمثلة التي تعود إلى العهد العثماني كثيرة جدًا ومنتشرة في كثير من مدن تركيا وبلاد الشام ومصر.

ومن الجدير بالذكر أنّ "المقرنصات" قد نُفّذت بمواد مختلفة من أهمّها الحجر والخشب والجصّ، وغُطّيت ولُوّنت بأنواع مختلفة من الطلاء والقاشاني أيضًا.

إنّ التكوين المُقرنص، تكوين ثلاثي الأبعاد فيه محاريب ملساء تحوي خطوطًا وحنايا بسيطة أو مظلّيّة وأقواسًا ودلّايات وتجاويف ونوافذ مفتوحة، وبالاطلاع على مسقط أو مخطّط أي تكوين مؤلّف من "المقرنصات" يتبين أنه عبارة عن زخرفة مؤلّفة من عدد من الأشكال النجميّة والمضلّعات الهندسية.

وما زالت "المقرنصات" تُستخدم حتى اليوم لأهمّيّتها التشكيليّة، وإنّ في ذلك استمرارً وحماية للطابع الإسلامي، ففي المغرب العربي، وسورية، ومصر، ثمة حرفيّون ابتكروا أبجديّة خاصّة لتأليف "المقرنصات الخشبيّة"، من قطع مختلفة ومتنوعة تتجاوز اثنتي عشرة قطعة، لكلّ منها شكلها واسمها الذي يختلف ما بين دولة وأُخرى، وذات مقاييس محددة يتم تحديدها وفق المكان الذي ستوضّع فيه، وهناك محاولات كثيرة لمعماريّين معاصرين من مختلف دول العالم، للاستفادة من "المقرنصات" في التكوين العام للمباني، وخلق تكوينات زُخرفيّة مستوحاة منه أو فيها محاكاة للمقرنصات التقليديّة بمواد وخطوط تتناسب مع العمارة الحديثة.

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية المقرنصات منحوتات تجريدية بمنهجية فكرية إسلامية صوفية



أصالة تعيد ارتداء فستان خطبة ابنتها شام بعد إدخال تعديلات

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 10:36 2021 الثلاثاء ,03 آب / أغسطس

فساتين بظهر مفتوح موديلات عصرية لصيف 2021
المغرب اليوم - فساتين بظهر مفتوح موديلات عصرية لصيف 2021

GMT 08:30 2021 الثلاثاء ,03 آب / أغسطس

انهيار السياحة في تركيا بعد كورونا والحرائق
المغرب اليوم - انهيار السياحة في تركيا بعد كورونا والحرائق

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:55 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

اتيكيت" قيادة السيارة والأصول التي يجب اتباعها

GMT 16:23 2021 الخميس ,15 تموز / يوليو

أرقام قياسية جديدة في انتظار ميسي مع برشلونة

GMT 12:03 2021 الخميس ,15 تموز / يوليو

إنتر ميلان يستهل حملة الدفاع عن لقبه ضد جنوا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Almaghrib Today for Media Production
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

Maintained and developed by Almaghrib Today for Media Production
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib