منارة رأس بوجدور إرث عمراني منغلقٌ على نفسه لم ينلِ الدهرُ منه
آخر تحديث GMT 04:18:03
المغرب اليوم -

أسيرة الحامية العسكرية دخولها ممنوع على المواطنين والأجانب

منارة "رأس بوجدور" إرث عمراني منغلقٌ على نفسه لم ينلِ الدهرُ منه

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - منارة

منارة "رأس بوجدور"
العيون - هشام المدراوي

على بعد أمتار قليلة من مركز مدينة "بوجدور" الملقبة بمدينة التحدي، يستوقفك منظر المنارة العجيبة للمدينة أو الفنار حسب ما يحلو لرجال البحر تسميتها. هذه المعلمة الأثرية التي أضحت اليوم تشكل واحدة من أهم المآثر التاريخية الموجودة في الجنوب المغربي، والتي تختزن بين ظهرانيها الكثير من المقومات الأثرية،الشاهدة على الأدوار الطلائعية التي  لعبها سكانها على مر التاريخ.
ومنارة "رأس بوجدور" تتشكل في أساسها من بناية عجيبة الشكل، نادرة التصميم. مجسدة بحق لوحة معمارية بديعة تمتاز بطولها وكذالك بشكلها الدائري وفق تصميم معماري مميز لن تجد له نظيرًا في أي مكان آخر، وهو الأمر الذي ينم عن براعة الصناع الذين كانوا يشتغلون في الحقبة التي بنيت فيها هذه المنارة. وتشير مجموعة من المصادر والمراجع الإسبانية،التي خصت صفحات ليست بالقليلة لحدث بناء منارة "رأس بوجدور"،بأن الهدف والغاية الملحة التي عجلت ببنائها رغم تكاليفها المالية الباهظة، تتجلى أساسًا في رغبة إسبانيا آنذاك في رسم مسار السفن بمختلف أحجامها والتي كانت إما تتخذ من المنطقة محطة للتزود بما يلزمها من مؤونة لإتمام مساره، أو تكون هي مقصدها الأول،لتفريغ ما في حوزتها من حمولة غالبًا ما تستعمل من لدن الإسبان في إنجاز عمليات الإسناد العسكري لقواتها الاستعمارية، التي كانت بصدد محاولة إحكام قبضتها على المناطق المجسدة للصحراء، وذلك تمهيدا لاستغلال خيراتها على نطاق واسع بعد استكمال العمليات العسكرية الميدانية التي كانت تقوم بها وحداتها المنتشرة في مختلف ربوع الصحراء. ولتك الغايات السالفة الذكر ارتأى مشيدوها، بأن تنفرد بإصدارها لضوء يلف بشكل دائري، ليضيء أبعد نقطة ممكنة من المدينة، وذلك بالاعتماد على آلة خاصة أعدت خصيصًا للقيام بذلك الدور وهي تدعى "الرحا". ونظرا لبروز مجموعة من التوقعات، التي تجزم قطعًا بأن المنارة ستواجه مجموعة من التحديات المناخية،نظرًا للظروف الطبيعية القاسية التي تمتاز بها المنطقة. تم التفكير في الاعتماد لبنائها ،على  نوع خاص من الحجارة يتميز بالصلابة،وهي حجارة شبيهة بـ"الغرانيت".توجد في قمتها ألواح زجاجية تتميز بكونها شفافة ومدعمة بصفائح حديدية،يكمن دورها الرئيس في إحكام السيطرة على هذه البناية العالية الارتفاع،والتي يرجع تاريخ تأسيسها،حسب ما ذهبت إليه المصادر والمراجع التي اهتمت بالتأريخ لحدث بنائها إلى سنة 1949 ،في إطار عملية تمت بشراكة بين الدولتين البرتغالية والاسبانية، والتي لم تكن من أجل مصلحة المنطقة، بل جاءت ضمن المساعي الرامية إلى إحكام السيطرة على السفن المارّة من المدينة ،لاسيما أن إسبانيا كان لها في تلك الفترة نفوذ استعماري على الصحراء، وكان همها الشاغل والأوحد حينها،يتجلى أساسًا في إحكام السيطرة على جميع المنافذ والمسالك البحرية والبرية المؤدية من المنطقة وإليها، لذلك عمدت السلطات الاسبانية الاستعمارية إلى طرح مشروع بناء هذه المنارة على أنظار البرتغاليين، الذين كانت تجمعها بهم مجموعة من المصالح المشتركة، وكانت الغاية المرجوة من هذا المشروع ـ حسب منطوق الاتفاقية التي دارت بينهما ـ توجيه السفن التجارية الوافدة على المنطقة، بما في ذلك العمل على تنبيههم بأن جزءًا مهمًا من المدينة يقع في داخل موقع متقدم من البحر، تفاديًا لأي اصطدام أو حوادث قد تتسبب للقوات الاسبانية المرابطة هناك في خسائر مادية،هم  في غنى عنها، وما زاد من استعجال المشروع وحتميته  أن الاسبان في تلك الفترة لم تكن لديهم أي مقدرة على امتلاك وسائل التنبيه الكافية،للتحكم في السفن العابرة من المنطقة، أسوة ببقية الدول الأوربية التي كانت وصلت فيها الصناعة البحرية أوجها في تلك الفترة. حيث شهدت المدينة في الحقبة التي سبقت تشييد المنارة تسجيل العديد من الحوادث السابقة التي كان لها وقعها المادي الجسيم ، فما كان إلا أن تم إطلاق هذا المشروع،الذي لم يكن ليتحقق لولا التعاون الإسباني البرتغالي. وقد شكل  تأسيس المنارة حدثًا بارزًا،أرخى بظلاله على المنطقة كلها، بعد أن أصبحت مؤمنة عن آخرها،وصارت مقصدًا للعديد من السفن العابرة.وما زاد من أهمية المشروع على أرض الواقع، هو أن تلك المبادرة خففت من احتمالات الاصطدام الذي كان يقع بين السفن فيما بينها، وكذلك مع اليابسة التي كانت تكتسب وضعًا متقدمًا على مستوى واجهة البحر. ونظرًا لتعاقب عوامل الدهر على هذه البنية لم يكن هنالك من بديل لدى مشيدي البناية سوى اتخاذ خطوة ترميم هذه الأخيرة، وهو الأمر الذي حدث سنة 1959 م، حيث وُضع برنامج لترميم البناية،كانت الغاية المتوخاة منه أساسًا،تعزيز صلابة البناية في مجابهة التقلبات المناخية المختلفة التي باتت المنطقة مسرحًا لها، لكن مع الأخذ في عين الاعتبار ضرورة الحفاظ على جوهر الهندسة العريقة للبناية،وعيًا بالبعد التراثي الذي تكتسبه منارة "رأس بوجدور" التي لم تعد مجرد بناية تؤدي دوًرا وظيفيًا،بقدر ما صارت تشكل بعدًا رمزيًا،متجسدًا في التأريخ لمجموعة من الأحداث التاريخية،التي ستكون المدينة مسرحًا في تلك الحقبة من الزمن. هكذا إذن استفادت المنارة من مجموعة من الإصلاحات المهمة لكنها بقيت محافظة على صلابتها وذلك راجع بالأساس لقوة المواد المستعملة من جهة، ومن جهة ثانية للاحترافية المتبعة في البناء الذي يتخذ شكلًا هندسيًا رائعًا يجعلها قادرة على مقاومة التقلبات القاسية للطبيعة. وإذا كان المشيدون لهذه البناية الرائعة قد وضعوا من أهم أولوياتهم،تقوية مناعة وحصانة هذه البناية فإنهم حرصوا أيضًا على الاهتمام بالقياسات الخاصة بالمنارة، إذ يبلغ علوها 54 مترًا وتتوافر على 254 درجة،كما يبلغ قطرها الدائري حوالى 3 أمتار.وكل زائر تتاح له فرصة زيارتها يظن أن مساحتها تقل بشكل تدريجي كلما تم الصعود نحو الأعلى، وهو أمر مخالف للحقيقة تمامًا فهي بناية ثابتة المقاييس ولم تكن أبدًا متحركة كما يروج لذلك بعض العامة من الذين ما زالوا منبهرين بشكلها والجودة التي بنيت بها. أما عن التجهيزات التي تتوافر عليها المنارة فيوجد فيها مصباح كبير، وثلاثة مكبرات تحمل أرقامًا استدلالية وهي بالتتابع 1 و2 و3 ويعود الفضل الكبير لهذه المكبرات في  جعل الإنارة أكثر وضوحًا ليلًا وهي بمثابة عاكس للأشعة تمكن السفن العابرة أو المتجهة نحو المدينة من الرسو في أمان،وبدون إمكانية التعرض لأدنى مشاكل قد تعترض طريقها في أماكن أخرى،وهذا من حسن حظ هذه المدينة التي استطاعت أن تنفرد بشيء لا يوجد إلا فيها. غير أن هذه المنارة، لم تستفد بعد استرجاع مدينة بوجدور من براثن الاستعمار الاسباني من أي إصلاحات حقيقية تذكر اللهم إذا ما استثنينا بعض المبادرات المحتشمة التي لم تخرج أساسًا عن نطاق طلاء الواجهة الخارجية للمنارة،وإضافة بعض المصابيح التزينية التي تؤثثها، كما جرى ترميم الثكنة العسكرية،وتغيير النصب التذكاري للساحة المحاذية لها والتي تحمل ذراعًا شاهدة على فصول إحدى أهم المعارك التاريخية،والملامح البطولية التي سجلها أبناء المنطقة بدمائهم ضد الآلة الاستعمارية. ومن أهم الإكراهات التي تواجه هذه المنارة في الوقت الراهن أنه تحيط بها ثكنة عسكرية تابعة للقوات المسلحة الملكية، وبالرغم من أنها تتوافر على سور عازل إلا أنها تدخل ضمن نفوذ الحامية العسكرية التي تعتبر وصية عليها وبالتالي لا يمكن لأي كان اقتحامها أو الدخول إليها لاعتبارات يقال عنها بأنها أمنية، وهو الأمر الذي يجعلنا أمام إشكال حقيقي لما لا وهذا المعطى يجعل هذا الإرث العمراني منغلقًا على نفسه،ولا يمكن الاستفادة منه من الناحية السياحية،فولوج المنارة ممنوع في وجه السكان المحليين،وحتى الأجانب لا يمكنهم ولوجها ،أو الاقتراب منها إلا بإذن مسبق من لدن عمالة الإقليم،التي لا تحبذ في غالب الأحيان منح مثل تلك التراخيص لأولئك الزوار لاعتبارات تبقى مجهولة الغاية والمقصد، وهي أمور لم تنصف القطاع السياحي في المدينة برمته، الأمر الذي كانت له كثير من التداعيات على هذا القطاع،الذي أصابه الشلل التام بفعل عدم التمكن من الاستفادة من المقومات التاريخية والتراثية التي تزخر بها المدينة، والتي غالبا ما تستهوي السياح سواء منهم الذين يقصدون مدينة بوجدور بشكل مباشر،أو أولئك الذين يتخذون منها معبرا لولوج مدينة الداخلة حاضرة وادي الذهب لكويرة.

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

منارة رأس بوجدور إرث عمراني منغلقٌ على نفسه لم ينلِ الدهرُ منه منارة رأس بوجدور إرث عمراني منغلقٌ على نفسه لم ينلِ الدهرُ منه



اقتصر على حوالي 150 من أفراد العائلة والأصدقاء

سيينا ميلر تخطف الأضواء في حفل زفاف جنيفير لورانس

واشنطن ـ رولا عيسى

GMT 03:35 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

بساطة السهل الممتنع بعرض أزياء "تي أو دي إس" في "ميلانو"
المغرب اليوم - بساطة السهل الممتنع بعرض أزياء

GMT 00:06 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

ارتفاع حركة النقل في مطار فاس بنسبة 12 في المائة
المغرب اليوم - ارتفاع حركة النقل في مطار فاس بنسبة 12 في المائة

GMT 02:46 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح وأفكار تُساعدك على اختيار "جبس" غرف نوم
المغرب اليوم - نصائح وأفكار تُساعدك على اختيار

GMT 04:03 2019 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

صيحات أساسية من عرض "فندي" لخزانتك
المغرب اليوم - صيحات أساسية من عرض

GMT 11:49 2019 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

المغرب ضمن أفضل 10 وجهات سياحية في عام 2020
المغرب اليوم - المغرب ضمن أفضل 10 وجهات سياحية في عام 2020

GMT 22:07 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

أنسو فاتي يقترب من الإنضمام إلى صفوف المنتخب الإسباني

GMT 23:42 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

خطوة واحدة تفصل رونالدو عن الهدف 700 في مسيرته

GMT 23:49 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

برشلونة يغلق الباب أمام عودة نيمار دا سيلفا إلى صفوفه

GMT 19:11 2019 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

فابيينو يُشيد بعلاقة الصداقة بين محمد صلاح وساديو ماني
 
almaghribtoday

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2019 Arabs Today Ltd.

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib