لندن - المغرب اليوم
تناولت الصحف البريطانية الصادرة مؤخراً ثلاث قضايا رئيسية يبدو أنها مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي وتتقاطع عند قاسم مشترك يتمثل في كيفية إدارة المخاطر وتوقعها، سواء على مستوى الدولة واستراتيجياتها السياسية الكبرى، أو على مستوى قرارات الأفراد المالية اليومية وسلوكهم الاقتصادي؛ حيث سلطت الضوء على الأبعاد المالية والصحية لاتفاقية الأدوية الجديدة المبرمة بين بريطانيا والولايات المتحدة، بالتزامن مع قراءة التوازنات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأخير بين لبنان وإسرائيل، إلى جانب تقديم نصائح وتوجيهات عملية تهدف إلى تشجيع البريطانيين على خوض غمار الاستثمار وتجاوز مخاوفهم التقليدية من تقلبات الأسواق.
وفي تفاصيل الملف الصحي والسياسي الحساس، ناقش الكاتب أديتيا تشاكرأبورتي في مقال له اتفاقية الأدوية بين بريطانيا والولايات المتحدة، معتبراً أنها قد تفرض أعباء وضرائب مالية ضخمة على هيئة الخدمات الصحية الوطنية وتؤثر سلباً على جودة الرعاية الطبية المقدمة، وذهب الكاتب أبعد من ذلك متجهاً صوب اتهام وزارة الصحة بخلق ما وصفه بـ "الفراغ المعلوماتي" المتعمد حول تفاصيل هذا الاتفاق، سواء من حيث كلفته الحقيقية أو تأثيره المستقبلي على النظام الصحي العام، مشيراً إلى أن أعضاء البرلمان والنواب لم يحصلوا على فرصة كافية أو وقت مناسب لمناقشة الاتفاق أو التدقيق في بنوده ومراجعتها، مما أدى عملياً إلى إضعاف دور البرلمان في الرقابة والتشريع. ويستند الكاتب في نقده الحاد إلى تحليل علمي نُشر في المجلة الطبية البريطانية يرى أن الجمهور لم يحصل على صورة دقيقة أو شفافة عن الاتفاق، وأن الوعود التي قدّمها وزير الصحة سابقاً، مثل عدم تحميل هيئة الخدمات الصحية أعباء إضافية أو إبقاء الكلفة المالية ضمن حدود معينة، لم تتحقق على أرض الواقع كما أُعلن عنها؛ وبحسب هذا التحليل الطبي المتخصص، فإن الإنفاق على الأدوية قد يتضاعف ليصل إلى نحو 0.6 في المئة من الدخل القومي الإجمالي، وهو ما يمثل ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالمستويات الحالية، مع توقعات بأن تصل الكلفة الإجمالية للاتفاقية إلى نحو 44.7 مليار جنيه إسترليني بحلول نهاية العقد الحالي. ويحذّر المقال من أن هذه الزيادة المالية الطارئة لن تكون بلا ثمن، إذ قد تأتي مباشرة على حساب خدمات صحية أخرى أساسية وحيوية، مثل إجراء الفحوصات الدورية وتوفير العلاجات وتأهيل الكوادر الطبية؛ كما يشير إلى تقديرات الباحثين التي تتحدث عن احتمال وقوع مئات آلاف الوفيات الإضافية نتيجة إعادة توزيع الموارد المالية وتقليص ميزانيات القطاعات الأخرى، وهو سيناريو خطير ترفضه وزارة الصحة وتستبعده، لكنها في الوقت نفسه لم تقدّم أي تقييم بديل أو دراسة واضحة تطمئن الرأي العام، ليختتم الكاتب مقاله ببيان الضعف الشديد في الرقابة البرلمانية والإعلامية، معتبراً أن هذا الملف لم يحظَ بالاهتمام الكافي المستحق رغم خطورته البالغة على حياة المواطنين.
وفي المقابل، قدم الكاتب جيك واليس سيمونز قراءة جيوسياسية مغايرة ترى أن إيران كانت، قبل أسابيع قليلة، في موقع قوة ونفوذ بعد توقيع مذكرة تفاهم مع دونالد ترمب خففت عنها الضغوط الدولية ومنحتها هامشاً أوسع للتحرك والاتساع، ما انعكس سلباً على الموقف الإسرائيلي وجعل التطورات تبدو وكأنها تعزز النفوذ الإيراني في المنطقة وتُضعف قدرة إسرائيل على الرد، خاصة في ظل التوترات المستمرة على حدودها الشمالية؛ لكن بحسب القراءة المطروحة، لم يستمر هذا الوضع طويلاً إذ ردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطوة وصفت بأنها "انقلاب عسكري ودبلوماسي" تمثلت في التوصل إلى اتفاق تاريخي مع لبنان، حيث يرى الكاتب أن هذا الاتفاق لم يكن مجرد تفاهم تقني عابر، بل تحول استراتيجي يعيد رسم قواعد اللعبة بالكامل في المنطقة، ويمنح إسرائيل فرصة لاستعادة زمام المبادرة بعد فترة من التراجع النسبي. ويشير المقال إلى أن الاتفاق، الذي يعد الأول من نوعه منذ عقود طويلة، يتضمن عناصر مهمة مثل الاعتراف المتبادل بالسيادة، والتزاماً بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله في المناطق الحدودية المتاخمة لإسرائيل، مشيراً إلى أن تنفيذ هذا الالتزام سيتم عبر مراحل زمنية متتابعة تبدأ بانتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة، مما يعني عملياً تقليص نفوذ الحزب وقدراته هناك؛ ويرى الكاتب أن هذه الخطوة، إذا نجحت، قد تغيّر بشكل جذري ميزان القوى على الحدود الشمالية، ومع ذلك لا يغفل المقال التحديات الكبيرة والعقبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، إذ يحذّر من أن حزب الله يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني الإقليمي، وأن طهران لن تتخلى عنه أو تسمح بإضعافه بسهولة، مما يجعل الطريق نحو تنفيذ البنود مليئاً بالعقبات والمقاومة الشديدة؛ ورغم ذلك، يرى الكاتب أن الصورة العامة تغيرت بسرعة، حيث انتقلت المنطقة من حالة تفوق إيراني واضح إلى
وضع باتت فيه إسرائيل في موقع أقوى وأكثر قدرة على فرض شروطها، متطرقاً إلى الدور الأمريكي ومشيراً إلى أن دونالد ترمب بدا أقل تأثيراً مما كان متوقعاً، في حين برز وزير الخارجية ماركو روبيو كوسيط فعّال لعب دوراً مهماً في التوصل إلى الاتفاق وإتمامه، وهو دور قد يعزز مكانة روبيو السياسية مستقبلاً داخل الإدارة الأمريكية، خاصة عند مقارنته بنائب الرئيس جي دي فانس الذي بدا أقل حضوراً في هذا الملف، رغم أن المشهد الإقليمي بأكمله لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة ولم يصل بعد إلى حسم نهائي.
ومن السياسة الدولية إلى السلوك المالي للأفراد، تسلط التقارير الاقتصادية الضوء على حملات توعوية تهدف إلى تغيير السلوك المالي للمواطنين البريطانيين من خلال تشجيعهم على خوض مجالات الاستثمار بدلاً من الاكتفاء بالادخار التقليدي؛ وتنطلق هذه الرؤية من ملاحظة أن جزءاً كبيراً من أموال الأفراد يبقى في حسابات ادخار راكدة ذات عوائد منخفضة لا تواكب معدلات التضخم المرتفعة، مما يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للقدرة الشرائية لهذه الأموال مع مرور الوقت، وترى الصحف أن الخوف من الأسواق المالية وتقلباتها المفاجئة يمثل أحد أبرز العوائق النفسية التي تمنع الكثيرين من دخول عالم الاستثمار والاستفادة من فرص النمو على المدى الطويل. وينقل التقرير عن الخبير الاستثماري إيان كاوي أن البيانات التاريخية تُظهر بشكل قاطع تفوّق الأسهم على حسابات الادخار في معظم الفترات الزمنية الطويلة، مما يجعلها خياراً جذاباً وذكياً لمن يسعى إلى تنمية ثروته وتأمين مستقبله، لكنه في الوقت نفسه يشدد على أن الاستثمار ليس خالياً من المخاطر، وأن على المستثمرين الجدد الاستعداد النفسي والذهني الكامل لتحمل الخسائر المؤقتة والهبوط الذي قد يحدث نتيجة تقلبات السوق الدورية، مؤكداً أن النجاح في الاستثمار لا يعتمد فقط على اختيار الأصول والأسهم المناسبة، بل يرتكز أيضاً على القدرة على الصبر وعدم اتخاذ قرارات مالية متسرعة أو عاطفية في أوقات التراجع والانخفاض. أما الخبيرة فيكي رينال، فقد ركزت على الجانب النفسي والسلوكي بشكل أعمق، معتبرة أن علاقة الفرد مع المال تتشكل منذ مراحل الطفولة الأولى، وأن كثيرين يحملون معهم أفكاراً ومعتقدات سلبية ومغلوطة عن الاستثمار، مثل اعتباره نوعاً من المقامرة غير المضمونة أو نشاطاً يقتصر فقط على الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة، وترى أن القدرة على التحكم في المشاعر وضبط النفس، خاصة في أوقات القلق أو الخسارة، تعد عاملاً حاسماً في نجاح أي مستثمر، وربما تكون أكثر أهمية من المعرفة التقنية أو القدرة على التحليل المالي المعقد. ومن بين النصائح العملية التي يقدمها التقرير للمبتدئين، يبرز أسلوب "متوسط كلفة الجنيه"، وهو تكنيك يقوم على استثمار مبالغ مالية ثابتة بشكل منتظم ودوري، بقطع النظر عن تقلبات السوق وصعوده أو هبوطه، حيث تساعد هذه الطريقة عملياً على تقليل تأثير التذبذب السعري، إذ يشتري المستثمر وحدات أكثر عندما تكون الأسعار منخفضة وأقل عندما تكون مرتفعة، مما يؤدي إلى تحقيق متوسط تكلفة أفضل وأكثر أماناً على المدى الطويل؛ كما تؤكد الخبيرة مايكي كوري أن البدء في الاستثمار لا يتطلب أرقاماً مدخرة كبيرة، وأنه يمكن لأي شخص أن يبدأ بمبالغ صغيرة جداً مع التركيز على بناء محفظة استثمارية متنوعة ومنخفضة التكاليف لتجنب المخاطر، مشيرة أيضاً إلى أهمية الاستفادة القصوى من الإعفاءات الضريبية المتاحة، خاصة في المعاشات التقاعدية حيث يمكن للمستثمرين الحصول على دعم حكومي مباشر يعزز مدخراتهم، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية البدء المبكر في الاستثمار للأطفال، مستفيدين من عامل الوقت الزمني الذي يعد أحد أهم عناصر النجاح وتحقيق الثروات المتراكمة في هذا المجال.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
كير ستارمر يؤكد أن المستوطنات الإسرائيلية انتهاك للقانون الدولي ويدعو لوقف دعمها
زعيم حزب العمال يفضل الصحف الأمريكية على البريطانية


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر