الرباط – المغرب اليوم
قدْ يَجهَلُ كثير من المغاربة أنّ مشروب الشاي الذي لا تخلو منه موائدُ مختلف طبقات المجتمع المغربي، الميسورة منها والمتوسطة والفقيرة، على مدار أيّام السنة، والذي يعتبر "المشروب الشعبي رقمَ واحدٍ" في المغرب، حرّم عدد من الفقهاء المغاربة شُرْبه إبّان بداية انتشاره في أوساط الطبقات الشعبية، أواسط القرن التاسع عشر.
وسلطت الباحثة المغربية كريمة حكوش، الضوء على هذا الموضوع، من خلال مقال نشرته في موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود"، تحت عنوان "من المحظور إلى العادة: مشروبات في تاريخ المغرب ما بين الحِلية والحرمة"، وخَلُصتْ، إلى أنّ الخلافَ بين الفقهاء المغاربة حول حلية أو حرمة شرب الشاي، إبّان ظهوره لأوّل مرّة، بلغَ حدّ المجابهة.
وذهبت الباحثة إلى أنّ الخلاف الذي دبّ بين فقهاء المغرب ما بين محلّل ومحرّم لشرب الشاي، وبين من اتّخذ موقفاَ وسطا، نجمت عنه كثير من التأليف الفقهية والفتاوى التي تبرز مواقف الفقهاء من القضية، ما بين مُؤيد ومعارض، وذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن الشاي حرام.
وتحجّج الفقهاء الذين ذهبوا إلى تحريم شرب الشاي، حسب الباحثة، بأربعة تعليلات، التعليل الأوّل هو أنّ الشاي "سفيه والسفَه حرام"؛ ثانيا، أنه يُضر بالأجسام، "وما يضر بالأجسام حرام"؛ ثالثا أنّه "يشغل عن ذكر الله"؛ أمّا العِلّة الأكثر إثارةَ، والتي استند إليها الفقهاء المُحرّمون لشرب الشاي، فهي أنّه "في هيئته وآنيته يشبه الخمر".
واستند الفقهاء إلى العِلل السابقة لتحريم شرب الشاي، اعتمدوا قاعدة أنّ "الشيء إذا لاحتْ فيه عوارض المنع وجبَ ترْكه لأنّه حرام"، أمّا الباحثة كريمة حكوش، فأشارت إلى أنّ وضعَ الشاي في إطار تاريخ المشروبات بالمغرب، يقتضي الإشارة إلى أن كلاَ من الشاي والقهوة ينتميان إلى فئة المشروبات المنبهة، وهناك من يرى أن جلسة الشاي في مستواها الطقوسي هي امتداد لجلسات الخمر.
ومن الفقهاء المغاربة الذين شبّهوا الشاي بالخمر، الحاج البيشوري، وهو صوفي من منطقة سوس ينتمي إلى أسرة عالمة، فقد ورد عند الأستاذين عبد الأحد السبتي وعبد الرحمان الخصاصي، نقلا عن المعسول للمختار السوسي، أن الحاج البيشروي نبه من شرب الأتاي لتشبيهه له بالخمر، أمّا قاضي مكناس أحمد بن عبد الملك العلوي فكان لا يقبل شهادة شارب الشاي.
وفي مقابل هذه المواقف "المتشدّدة" من شرب الشاي، أوْردت الباحثة كريمة حكوش مواقفَ وسطية لفقهاء آخرين، لمْ يقطعوا نحو التحليل أو التحريم، ومنهم الشيخ محمد بن المؤيد بن سيدي، الذي أورد في فتواه الصادرة سنة 1925 أنّ "الرأي عندي السكوت عن الخوض في ثلاث مسائل الضاد والظاء، وحكم أمانيج، وحكم الأتاي، لأن بن عباد نص في رسائله أنه لا يجوز لأحد أن يقول بتحريم شيء ولا تحليله إلا إذا قطع بذلك، ولا يقطع شيء إلا إذا كان في آية محكمة أو سنة متواترة أو إجماع"؛ وفي مقابل هذا الموقف الوسط، هناك فقهاء آخرون أحلّوا شرب الشاي ومنهم الفقيه محمد حبيب الله بن مايابي الجكني.


أرسل تعليقك
تعليقك كزائر