حين تتحول الشهادة الرسمية إلى جواز سفر للهجرة

حين تتحول الشهادة الرسمية إلى جواز سفر للهجرة

المغرب اليوم -

حين تتحول الشهادة الرسمية إلى جواز سفر للهجرة

* نورا المرعبي ناشطة اجتماعية وسياسية
بقلم: نورا علي المرعبي

لم يعد انهيار لبنان يُقاس فقط بسعر صرف الليرة، أو بانهيار المصارف، أو بعجز المؤسسات العامة. فهناك انهيار أخطر يحدث بصمت، ويتسلل يوميًا إلى عمق المجتمع اللبناني: انهيار قيمة التعليم كمسار لبناء الحياة داخل الوطن. وما يجعل هذا الانهيار أكثر خطورة، أنه لا يهدد الاقتصاد وحده، بل يهدد الفكرة نفسها التي تقوم عليها أي دولة حديثة: أن العلم والعمل قادران على صناعة مستقبل كريم للمواطن داخل بلده.

في الدول الطبيعية، تشكل الشهادة الرسمية عقدًا غير مكتوب بين الإنسان والدولـة. يدرس الطالب لسنوات طويلة، على أساس أن الجهد سيقوده إلى فرصة عادلة، واستقرار اجتماعي، ودور فعلي في دورة الإنتاج الوطني. أما في لبنان، فقد بدأت هذه العلاقة تتفكك تدريجيًا، إلى أن تحولت الشهادة لدى آلاف الشباب من “باب عبور نحو المستقبل” إلى “وثيقة عبور نحو الهجرة”.

هذه ليست مبالغة أدبية، بل واقع تؤكده الأرقام. فبحسب البنك الدولي، ارتفعت معدلات الفقر في لبنان إلى نحو 44% من السكان بعد الانهيار الاقتصادي، فيما يعيش اللبنانيون واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية.
عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي موازاة ذلك، تشير بيانات “الباروميتر العربي” إلى أن أكثر من 58% من الشباب اللبناني بين 18 و29 عامًا يفكرون بالهجرة أو يسعون إليها فعليًا، وتزداد هذه النسبة بين المتعلمين وخريجي الجامعات. وهنا تكمن المفارقة الأكثر مأساوية: كلما ارتفع مستوى التعليم، ارتفعت الرغبة في مغادرة البلاد.

لقد نجح لبنان تاريخيًا في إنتاج العقول، لكنه فشل في بناء دولة قادرة على الاحتفاظ بها. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بجودة التعليم فقط، بل بانفصال التعليم عن أي رؤية اقتصادية أو تشريعية وطنية. فالدول الحديثة تبني سياساتها التربوية على أساس احتياجات الاقتصاد المستقبلي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الجديدة. أما في لبنان، فما زالت المناهج التعليمية بمعظمها أسيرة أنظمة تقليدية تقوم على الحفظ والتلقين، في وقت تغيّر فيه العالم جذريًا.

والأخطر أن التشريعات نفسها لم تعد تواكب العصر. فرغم أهمية قانون تنظيم التعليم العالي الخاص رقم 285/2014 في ضبط القطاع الجامعي، إلا أن لبنان لا يزال يفتقد حتى اليوم إلى إطار وطني متكامل يربط التعليم بسوق العمل الرقمي، أو ينظم المهارات المستقبلية، أو يواكب التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي. ففي الوقت الذي بدأت فيه دول عديدة بإقرار تشريعات خاصة بالحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي والتعليم التكنولوجي، ما زال لبنان يناقش أبسط مقومات البنية الرقمية داخل المدارس الرسمية.

هذا الانفصال بين التعليم والدولة أنتج أزمة أخطر من الأزمة المالية نفسها: أزمة فقدان المعنى. فالطالب اللبناني اليوم لا يسأل فقط: “هل سأنجح؟”، بل يسأل: “ما قيمة هذا النجاح أصلًا إذا كان مستقبلي خارج البلاد؟”. وعندما يصل مجتمع كامل إلى هذه المرحلة، تصبح الأزمة أزمة هوية وطنية لا أزمة قطاع تربوي فقط.

التعليم الرسمي الذي كان لعقود يشكل آخر مساحة للعدالة الاجتماعية، بدأ يفقد قدرته على حماية الفئات المتوسطة والفقيرة. تقارير اليونيسف تشير إلى أن طفلًا من كل ثلاثة أطفال في لبنان أصبح خارج المدرسة أو خارج التعلّم الفعلي نتيجة الأزمات المتراكمة، فيما تأثر أكثر من مليون ونصف طفل بالاضطرابات التعليمية والانهيار الاقتصادي. ومع انهيار رواتب المعلمين وتراجع الاستقرار داخل القطاع التربوي، أصبحت المدرسة الرسمية نفسها تكافح للبقاء، لا لتطوير الأجيال.

وهنا تظهر خطورة ما يحدث فعلًا. لأن انهيار التعليم لا يعني فقط تراجع مستوى المعرفة، بل يعني انهيار قدرة الدولة على إنتاج مواطن قادر على التفكير، والإبداع، والمشاركة الاقتصادية، والانتماء الوطني. فالدول لا تُبنى بالمباني والطرق فقط، بل تُبنى حين يشعر الإنسان أن مستقبله يمكن أن يتحقق داخل وطنه لا خارجه.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى إصلاحات تجميلية أو حلول ترقيعية. يحتاج إلى إعادة بناء فلسفة التعليم بالكامل ضمن مشروع وطني جديد، يبدأ من تحديث التشريعات التربوية، وربط الجامعات بحاجات الاقتصاد، وإعادة هيكلة التعليم المهني والتقني، ودمج الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية في المناهج، وصولًا إلى بناء استراتيجية وطنية للكفاءات والابتكار والبحث العلمي. كما يحتاج إلى حماية المعلم، لأن أي دولة تهين معلميها، تهدم مستقبلها بيديها.

إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط الانهيار الاقتصادي، بل انهيار إيمان الشباب بأن هذا الوطن قادر على احتضان أحلامهم. وعندما تتحول الشهادة الرسمية من رمز للأمل إلى جواز سفر للهجرة، فهذا يعني أن العلاقة بين المواطن والدولة بدأت تنهار من جذورها.

الدول التي تحمي التعليم تبني الحضارة. أما الدول التي تترك التعليم يسقط بصمت… فتخسر مستقبلها قبل أن تدرك ذلك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تتحول الشهادة الرسمية إلى جواز سفر للهجرة حين تتحول الشهادة الرسمية إلى جواز سفر للهجرة



GMT 11:28 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 11:22 2023 الإثنين ,24 تموز / يوليو

أطفالنا بين القيم والوحش الرقمي

GMT 19:33 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

في متاهات التعليم

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:38 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

تركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 03:15 2024 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

نحو 25 منصة بثّت منافسات قفز السعودية بـ3 لغات عالمية

GMT 15:28 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 06:11 2017 الأربعاء ,12 تموز / يوليو

استقبال بريطانيا ملك إسبانيا في زيارة دولية

GMT 02:09 2017 الأربعاء ,18 كانون الثاني / يناير

هروب إنسان الغاب في مبنى Monsoon من حديقة تشيستر

GMT 20:41 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 08:44 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

شركة أرامكو السعودية تنفي زيادة أسعار البنزين

GMT 04:38 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

مستجدات مشروع مغربي-إماراتي لتزويد1000 قرية بالطاقة الشمسية

GMT 02:53 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

صابرين تؤكد صدمة عائلتها من مسلسل "الجماعة 2"

GMT 11:08 2016 الجمعة ,11 آذار/ مارس

تعلمي العناية بنفسك خلال فترة النفاس

GMT 01:30 2025 الجمعة ,15 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الجمعة 15 أغسطس/آب 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib