فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها

فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها

المغرب اليوم -

فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها

سليمان جودة
بقلم : سليمان جودة

قد يستوقفك في استقالة السير كير ستارمر من رئاسة الحكومة البريطانية، أنها جاءت بمثابة النتيجة التي قامت على مقدمات لها، وأنها لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت لافتة حين بدا على صاحبها التأثر إلى حد البكاء وهو يعلنها.

ولكن هذه ليست الزاوية الأهم في الموضوع، ولا هي ما استوقفني أنا على الأقل؛ لأن البوادر كانت تقول إن الاستقالة سوف تأتي، وسوف تكون من نوع تحصيل الحاصل، إذا ما قسناها على ما سبقها من أحداث، ومن تطورات، ومن أجراس إنذار.

وقد يستوقفك فيها أنها علامة لا تخطئها العين على درجة عالية من الإحساس بالمسؤولية لدى ستارمر. فلقد كان في مقدوره أن يتمهل في استقالته أو أن يتلكأ، وكان في إمكانه أن يتمسك بمنصبه حتى اللحظة الأخيرة، وحتى يجد نفسه مضطراً إلى أن يغادره، فكثيرون فعلوا هذا قبله، وكثيرون سوف يفعلونه، ولا ملام عليهم في الحالتين.

ومع ذلك، فهذه ليست أيضاً الزاوية الأهم في القصة التي تابعها العالم، عندما ظهر رئيس الحكومة المستقيل أمام مقر الحكومة الشهير في عاصمة الضباب، ثم راح يُلقي كلمته بتأثر واضح في نبرة الصوت، فلما انتهى من إلقاء الكلمة الموجزة، استدار متجهاً إلى حيث كانت زوجته تنتظره فاحتضنها ومضيا معاً.

ليست هذه هي القصة لأن رؤساء الحكومة الستة الذين سبقوه على مدى عشر سنوات تقريباً، غادروا مواقعهم بعد أن استشعروا الإحساس بالمسؤولية نفسه، ومنهم مَنْ لم يستمر في المنصب أكثر من شهرين مثل ليز تراس، أو بقي فيه سنة لا أكثر مثل ريشي سوناك، وجميعهم كانوا يغادرون طوعاً من باب الإحساس بالمسؤولية تجاه الحزب والناخب، وكانوا يعرفون أنهم إذا لم يغادروا طوعاً، فسوف يغادرون بقوة القانون التي تتحرك في البلد معصوبة العينين.

أذكر هنا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان في نهاية رئاسته الأولى قد راح يعزف نغمة غريبة على استحياء، وكانت النغمة أنه لن يغادر مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض، وكان يعود بالأسباب إلى أن السباق الانتخابي بينه وبين المرشح المنافس جو بايدن شابه الكثير من التزوير، وأنه الأحق بالرئاسة لا بايدن الذي جرى الإعلان عن فوزه بالرئاسة.

ردد ترمب هذا المعنى أكثر من مرة، فلما زاد الأمر عن حده همس أحدهم في أُذنه، بأنه إذا لم يغادر في الموعد المحدد سلفاً للرئيس المنتهية ولايته، وإذا لم يُفسح الطريق للمرشح الفائز، فإن القوة المكلفة حراسته ستتولى هي نفسها إخراجه من البيت الأبيض بطريقتها!

شيء من هذا تجده بين السطور في كلمة ستارمر الموجزة، وتجده في ملامح وجهه وفي نبرات صوته، وتجد أنه وهو يلقي الكلمة كان يلقيها ولسان حاله يقول ما معناه، إنه يريد أن يكون الأمر في يده، لا في يد قيادات الحزب، ولا في أعضاء البرلمان، الذين كانوا قد بدأوا في إعداد العُدة، وكانوا قد اتخذوا قراراً بشأنه، وبدأ الإعلام يسربه تارة، ويتكلم فيه صراحةً تارة أخرى.

كل هذه الزوايا المشُار إليها من أول هذه السطور، يمكن أن تستوقفك مجتمعة أو منفردة، ولكنها ليست التي استوقفتني مجتمعة ولا منفردة، وإنما استوقفني أن يقول وهو ينصرف من مقر الحكومة الشهير في 10 داونينغ ستريت إلى بيته، إنه ينوي أن يعمل عملين بالتوازي: أن يكون زوجاً أفضل لامرأته، وأن يكون أباً أفضل لعائلته.

لم أتطلع إلى حديث ستارمر عن دوره أباً ثم زوجاً في المستقبل، على أنه مجرد حنين منه إلى البيت، أو على أنه حتى رغبة في التفرغ لأطفاله (لديه ابن وابنة) وزوجته اللذين لم يحصلوا منه على الاهتمام الواجب طوال رئاسته للحكومة. ولكن تطلعت إلى حديثه على أنه رغبة خفية منه، في لفت الانتباه إلى أن الأسرة المتماسكة هي أساس الدولة القوية، وأن دولة بلا أسرة تنعم بالحد الأدنى من التواصل بين أعضائها هي دولة هشة أمام أي عاصفة طارئة.

ينصرف السير كير ستارمر عن الحكم مهزوماً أمام حزبه، وأعضاء حكومته، وكتلته النيابية، وجمهوره، ومواطنيه، ولكنه ينتصر لفكرة الأسرة وهو ينصرف، ويبدو وكأنه يريد أن يقول إن إشارته إلى دوره في بيته زوجاً، وأباً، هي «رسالة» بأن الدولة القوية تساوي حاصل جمع الأُسر المتماسكة فيها، وإن هذه المعادلة إذا صحت في أي عصر من قبل، فإنها تصح في هذا العصر أكثر.

تصح فيه أكثر لأنه عصر ما يسمى وسائل التواصل الاجتماعي، بينما الحقيقة التي نراها أمامنا أن هذه الوسائل، لا هي «تواصل» في النسبة الغالبة جداً منها، ولا هي «اجتماعي»، وأن فكرة الأسرة التي تبدو مستهدفة من جانب هذه الوسائل، لم تكن في حاجة إلى أن تتعزز، قدر ما هي في حاجة إلى ذلك في هذا العصر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها فكرة أبى ستارمر المستقيل إلا أن ينتصر لها



GMT 20:37 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا يريدون

GMT 20:36 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

يجروننا إلى الخلف !

GMT 20:33 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

ميسي ويامال مؤامرات وأهوال

GMT 20:31 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

أين نحن الآن؟!

GMT 20:29 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة

GMT 20:27 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

فتّش عن المرأتين

GMT 07:28 2026 السبت ,18 تموز / يوليو

الفوز

GMT 07:27 2026 السبت ,18 تموز / يوليو

النظر من عَلٍ للمعضلة الإيرانية

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 03:12 2026 الجمعة ,10 تموز / يوليو

كأس العالم يسجل أعلى معدل بحث في تاريخ غوغل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib