الأردن… والتطورات المصيرية في سوريا والعراق

الأردن… والتطورات المصيرية في سوريا والعراق

المغرب اليوم -

الأردن… والتطورات المصيرية في سوريا والعراق

خيرالله خيرالله

تعلّم الأردن من تجارب الماضي القريب والبعيد. هذا ما جعله يحصّن نفسه من داخل كي يكون واحة من الواحات القليلة في المنطقة التي فيها عيش مشترك بين الديانات والمذاهب.

يُطمْئن الملك عبدالله الثاني الأردنيين إلى أن صمود بلدهم ليس صدفة. عندما يدعو الأمر، يمتلك الأردن ما يكفي من الإمكانات للردّ على أي تطورات، أكان ذلك على الحدود مع سوريا، أو مع العراق.

ما أكده العاهل الأردني للعشائر في البادية الشمالية، خلال زيارته الأخيرة لتلك المنطقة، أن هناك وعيا لأهمّية توفير أسباب الصمود، بما في ذلك صمود الاقتصاد، في مواجهة أي تطورات في هذين البلدين اللذين بات مصيرهما على المحكّ.

تحرّك العاهل الأردني في اتجاه الحدود مع سوريا والعراق حيث يوجد تداخل بين العشائر المختلفة في البلدين مع العشائر الأردنية، في وقت يبدو الشرق الأوسط مقبلا على تغييرات كبيرة. لا بدّ من جعل الأردنيين يستوعبون أهمّية ما يدور على الصعيد الإقليمي بعيدا عن الحسابات الصغيرة، وذلك كي لا تكون التغييرات على حساب المملكة. أكثر من ذلك، أراد إفهام الأردنيين أن المستقبل لهم، وأن بلدهم يعي تماما ما هو على المحك. أراد التأكيد أن الأردن صامد لا أكثر ولا أقل.

سرّ الصمود الأردني ليس فقط في رجل استثنائي هو عبدالله الثاني الذي استطاع مقاومة موجة المزايدات والمزايدين التي عصفت بالشرق الأوسط. هناك أيضا تلك القدرة العجيبة التي لدى المملكة الأردنية الهاشمية على التعاطي مع مشاكل المنطقة بطريقة خاصة بها. إنّها القدرة على المتابعة أوّلا. فمواجهة التطرّف ليست قضية موسمية، بل هي جزء من السياسة الأردنية. الإصلاحات ليست موضوعا عابرا. هناك إصرار على السير في هذا الخط الذي لم يبدأ البارحة. بدأ هذا الخط منذ قيام المملكة التي تعرّضت لظلم ليس بعده ظلم بسبب محاولة ملوكها إدخال بعض العقلانية على التفكير العربي.

تكمن مأساة الأردن، ومصدر قوته ومناعته في الوقت ذاته، في أنّه حاول دائما جعل المنطق يتغلّب على انفلات الغرائز الذي لم يأت على العرب سوى بالكوارث، بدءا برفض مشروع التقسيم في فلسطين، وصولا إلى ما هم عليه الآن، مرورا بالطبع بهزيمة العام 1967 التي ما زالوا يعانون من آثارها حتّى يومنا هذا.

قبل أحد عشر عاما، بادر الأردن إلى جمع ممثلين عن كل الطوائف والمذاهب من أجل التوصل إلى “رسالة عمّان” التي تدعو، أول ما تدعو، إلى العيش المشترك في المنطقة. في 2004، لم يكن هناك بعد “داعش” ولا دواعش سنّية أو شيعية. كان الهدف من “رسالة عمّان” إعطاء فكرة عن الإسلام الحقيقي، الذي هو دين الانفتاح والقبول بالآخر، وليس دينا يدعو إلى التزمّت والعنف.

في 2015، يعيد عبدالله الثاني التذكير بـ”رسالة عمّان” وذلك قبل أيّام من زيارته البادية الشمالية للقاء ممثلي العشائر فيها. كان التذكير بـ”رسالة عمّان” في مؤتمر انعقد أخيرا في استانا عاصمة كازخستان. كان الهدف من المؤتمر تأكيد القدرة على التعايش بين مختلف الديانات والمذاهب. قال عبدالله الثاني في استانا ما يجب قوله عن ضرورة متابعة الحرب على الإرهاب دفاعا عن مبادئ الإسلام.

أوضح في الخطاب الذي ألقاه أننا “نحن المسلمين، نتعرّض اليوم لهجوم وحشي من الخوارج الذين يشوهون ديننا لتبرير جرائمهم الفظيعة”. أضاف “لا يؤذي ديننا أو مشاعر المسلمين شيء أكثر مما تؤذيهم أفعال هذه العصابات المجرمة التي تؤجّج الطائفية وتشعل الفتنة في الأمة وتضلّل الشباب وتغريهم بالتخلي عن مستقبلهم وتنشر العنف في جميع أنحاء العالم”.

قال عبدالله الثاني الأشياء كما يجب قولها، خصوصا في ظلّ الحرب التي يخوضها الأردن مع “داعش” ومع إخوان “داعش” وأخواته وإخوانه من أنظمة عربية تراهن على الاستثمار في نشر التطرّف من أجل تبرير بقائها ومتابعة قهر شعوبها… أكان ذلك في سوريا أو في العراق.

في سوريا، يرفض النظام الاعتراف بأنّه انتهى وأنّ رهانه على “داعش”، الذي تحوّل إلى حليفه الموضوعي، لن يخرجه من مزبلة التاريخ التي لا مكان له خارجها… بل في أسفلها.

لا تهاون في الحرب على الإرهاب الذي بات يشكل تهديدا مباشرا للأردن انطلاقا من سوريا والعراق. لا مجال لأي تردّد من أي نوع كان. لا هرب من تحمّل المسؤولية، بدل إلقائها على الآخرين.

تعلّم الأردن من تجارب الماضي القريب والبعيد. هذا ما جعله يحصّن نفسه من داخل كي يكون واحة من الواحات القليلة في المنطقة التي فيها عيش مشترك بين الديانات والمذاهب.

في الأردن ملك يتجرّأ على القول “إن ديننا يعلّمنا ما هو الخطأ. فمن الخطأ إهانة الدين وعدم احترامه. من الخطأ التمييز ضد الآخرين واضطهادهم. ومن الخطأ تدنيس أماكن العبادة”.

في النهاية، لا يدافع الأردن عن نفسه فقط. إنّه يدافع عمّا بقي من قيم في هذه المنطقة، خصوصا في ظلّ ما يدور في سوريا والعراق، حيث رهان الدواعش الشيعية على “داعش” الذي يسعى باسم أهل السنّة، الذين هم براء منه، إلى تشويه صورة الإسلام. هذا ما يُفترض أن يكون مفهوما من كلّ أردني، خصوصا من المنتمين إلى العشائر.

يقرن الأردن الكلام بالأفعال. هناك ظلم لحق بطارق عزيز، البعثي المسيحي، الذي لعب أدوارا ما في عهد صدّام حسين، من دون أن يمتلك يوما القرار. كان طارق عزيز لاعبا ثانويا في العراق في وقت كان النظام يعتمد، أوّلا وأخيرا، على تركيبة ذات طابع عائلي تتلطى بمبادئ حزب البعث التي خرّبت بلدين هما سوريا والعراق.

كان هناك إصرار لدى الميليشيات المذهبية، التي تتحكّم بالعراق منذ العام 2003، على الانتقام من طارق عزيز من منطلق طائفي لا غير.

في النهاية، لم يجد طارق عزيز مكانا يُدفن فيه غير الأردن. هذه الأخلاق العربية. هذا هو الدين الذي يعترف بالآخر. هذا هو الأردن الذي يحارب الإرهاب حقّا، أي بالأفعال والأقوال في الوقت ذاته. هذا ما يميّز الأردن عن النظاميْن في سوريا والعراق. إنّهما نظامان يسعيان إلى نشر التطرّف لتبرير قمع الشعبين، خصوصا المواطنين الذين ينتمون إلى مذهب معيّن.

هناك خيار آخر في المنطقة. إنّه الخيار الأردني الذي مكّن المملكة من تجاوز الظروف العصيبة التي مرّت بها منذ قيامها بغض النظر عمّا يدور في سوريا والعراق، البلدين اللذين يبدو أنّهما مقبلان على مرحلة جديدة مطروح فيها مصيرهما بشكل جدي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأردن… والتطورات المصيرية في سوريا والعراق الأردن… والتطورات المصيرية في سوريا والعراق



GMT 09:49 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

الفيلم التونسي «صوت هامس» صار صاخبًا!!

GMT 09:47 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

الطريق نحو الكرامة!

GMT 09:45 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

السقف وقع؟

GMT 09:42 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

ماذا نريد لمصر؟!

GMT 09:40 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

يوم القيامة مجددا؟!

GMT 09:38 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

غول البطالة والفقر يطحنان أحلام الشباب

GMT 09:36 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

وحدة الساحات

GMT 09:34 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

مع السَّلامة أيُّها العالَم العتيق

فساتين سهرة غير تقليدية تضيء سهرات عيد الحب بإطلالات النجمات

بيروت - المغرب اليوم

GMT 23:17 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

وصايا خبراء الديكور لاختيار باركيه المنازل

GMT 21:22 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

اترك قلبك وعينك مفتوحين على الاحتمالات

GMT 15:57 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 01:19 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

لونلي بلانيت يكشّف عن أفضل 10 وجهات سياحية

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 21:47 2022 السبت ,01 كانون الثاني / يناير

خالد آيت طالب يشيد بمجهودات موظفي وزارة الصحة المغربية

GMT 03:35 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

بساطة السهل الممتنع بعرض أزياء "تي أو دي إس" في "ميلانو"

GMT 10:58 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

"الرجاء" يفاوض الشاكير وزكرياء حدراف لتجديد عقديهما
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib