دور المثقف في المجتمعات العربية

دور المثقف في المجتمعات العربية

المغرب اليوم -

دور المثقف في المجتمعات العربية

بقلم يوسف بلال

منذ الأيام الأولى من «الربيع العربي»، تساءل الكثير عن أسباب غياب المثقف عن الساحة في هذه المرحلة التاريخية، و اعتبر بعض المحللين أن ضعف التأطير الفكري للحركات الاحتجاجية من أهم أسباب فشلها في العديد من البلدان العربية. ودون شك، يعرف العالم العربي، مقارنة بستينيات القرن الماضي، تراجعا نسبيا لدور المثقف في الفضاء العام. كانت الجامعة العمومية آنذاك تساهم بشكل قوي في النقاش الفكري والانفتاح الثقافي، وكان الطلاب أهم فئة تنصت للمثقف وتتفاعل معه. لكن غياب المثقف اليوم لا يمكن أن يفسر فقط بالتحولات التي عرفها «الجمهور»الطلابي، لأن التغيرات التكنولوجية أتاحت فضاءات جديدة للتواصل على الشبكة العنكبوتية كما بينت ذلك ثورتا تونس ومصر. وفي الواقع، المثقف الحالي مسؤول كذلك عن غيابه النسبي عن الفضاء العام، حيث لا يبدو قادرا على اتباع طريق المثقفين الذين سبقوه في مهمة تنوير الرأي العام. وفي العشرين سنة الأولى من الاستقلال كانت أسماء بارزة في الفكر التاريخي وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع والأدب تنشر كتبا من مستوى عال، وتساهم في التكوين الفكري للطلبة والمجتمع المدني والسياسي. كان لهذه الوجوه وزن في المجتمع لأنها كانت تملك «رأسمالا» رمزيا قويا بسبب إنتاجها العلمي أو لفكري أو الفني، والتزامها بقضايا سياسية عادلة. أما اليوم فتحول العديد من المثقفين إلى مرتزقة يبيعون خدماتهم لمن يقدم لهم أفضل الثمن، ويرون في عملهم وسيلة للتقرب من مراكز السلطة والحصول على الجاه. وهذا النوع من «المثقف» لا يمكن أن تكون له مصداقية أمام المجتمع. وفي نص معروف في تاريخ الفكر الغربي عنوانه «ما الأنوار؟» يقول المفكر الألماني  إمانويل كانط إن المثقف هو الذي  يعتمد على العقل الناقد في الفضاء العام أيام كانت الكنيسة لا زالت تهيمن على الأذهان الأوربية. لكن اليوم كثير من المثقفين الأوربيين غير وافين بدور المثقف كما سطره كانط، خصوصا في القضايا المتعلقة بفلسطين أو بالعنصرية ضد المسلمين أو حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية. وهذا النوع من المثقفين حاربهم المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي عانى الكثير بسبب دفاعه عن القضية الفلسطينية في الإعلام الغربي، لأن تصوره لمهمة المثقف  تقتضي أن يقول هذا الأخير كلمة الحق للسلطة والنخب الحاكمة، ويعطي صوته المسموع للقضايا العادلة ولمن لا صوت له في الفضاء العام. إذن، لا يمكن للمثقف أن يقوم بمهمته إلا إذا كان مستعدا أن يفقد الكثير، وأن يتعرض في بعض الأحيان للاعتقال التعسفي، وفي أقصى الحالات للاغتيال. ودور المثقف، كما يتصوره إدوارد سعيد، ليس غريبا عن دور العالم في الحضارة الإسلامية، حيث كان هو الذي يواجه السلطان بالكلام إذا كان هذا الأخير ظالما أو طاغيا، لأن هذا الأمر غير مرتبط بـ»الحداثة» الغربية، وإنما مسألة أخلاقية تهم جميع الأمم عبر التاريخ. اليوم، وفي ظل أنظمة سياسية سلطوية لا توجد فيها سلطات مضادة ولا تخضع فيها سلطات الحاكم للمراقبة ولا المساءلة، نحتاج إلى المثقف الذي يقول كلمة الحق ويعمل في إطار جماعي يجمعه مع مثقفين آخرين لمواجهة السلطة فكريا في الفضاء العام، لأن لا شيء سليما يمكن أن ينتج عن أنظمة سياسية تسود فيها كلمة الحاكم وحدها ولا تسمح للأصوات المغايرة أن تنتقده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دور المثقف في المجتمعات العربية دور المثقف في المجتمعات العربية



GMT 07:49 2016 الثلاثاء ,12 إبريل / نيسان

المفاوضات السورية وآفاق السلام

نجوى كرم تعيد فستان المخمل إلى الواجهة وتلهم النجمات

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 07:03 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً
المغرب اليوم - الأخضر الزيتوني يمنح منزلك الدافئ عمقاً وثراءً

GMT 19:44 2026 الأربعاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

موقع لقوة يونيفيل الأممية في جنوب لبنان يتعرض لإطلاق نار
المغرب اليوم - موقع لقوة يونيفيل الأممية في جنوب لبنان يتعرض لإطلاق نار

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:53 2025 الإثنين ,10 شباط / فبراير

التشكيلة الرسمية للوداد الرياضي أمام الحسنية

GMT 22:00 2023 الثلاثاء ,09 أيار / مايو

الشرطة المغربية تضبط شخصين في مدينة أكادير

GMT 16:31 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كن قوي العزيمة ولا تضعف أمام المغريات

GMT 08:12 2020 الثلاثاء ,18 شباط / فبراير

الوافي تدعو إلى إبراز قصة نجاح المملكة المغربية

GMT 20:42 2021 الثلاثاء ,21 كانون الأول / ديسمبر

المغربية أمل أبو مسلم "أفضل معلمة في العالم"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib