الولايات المتحدة وإيران العودة من الحافة

الولايات المتحدة وإيران... العودة من الحافة

المغرب اليوم -

الولايات المتحدة وإيران العودة من الحافة

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

في حال لم تقع مفاجأة في اللحظة الأخيرة، ولطالما كان موضوعنا مفعماً بالمفاجآت؛ من المتوقع أن تستأنف إيران والولايات المتحدة، اليوم، محادثاتهما في مسقط، بعد توقفها لبعض الوقت، في خضم تكهنات متضاربة حول النتائج المحتملة.

ويتظاهر كل من طهران وواشنطن بأنَّ الأسابيع الطويلة، التي توقفت فيها المحادثات بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، في مسقط وروما، لم تكن سوى استراحة.

من جهته، يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «نتائج ممتازة»، بينما تعبر وسائل الإعلام الإيرانية عن تفاؤل غير مسبوق حيال نتائج هذه المحادثات.

ومع ذلك، شهدت تلك الاستراحة، التي يشير إليها الجانبان، أحداثاً عدة قد تغير مسار المحادثات.

من ناحية، شهدت إيران خلال تلك الفترة اضطرابات داخلية غير مسبوقة، مع اشتعال احتجاجات شعبية واسعة النطاق، ردّت عليها السلطات بحملة قمع غير مسبوقة. وفي لحظة ما، بدا أن ترمب قد يقدم على إصدار أوامره بتدخل عسكري لدعم المحتجين، من خلال حشد قوة بحرية ضخمة قرب السواحل الإيرانية.

من ناحية أخرى، ثمة عاملان أساسيان، على ما يبدو، جعلا ترمب يتراجع عن قرار التورط المباشر في الأزمة الإيرانية؛ الأول أنه تذكر لافتة شهيرة كثيراً ما يجري تعليقها داخل متاجر أطقم الخزف، كتب عليها: «إذا كسرتها، تصبح ملكك!». قاعدة حاول ترمب دوماً تفاديها عند التعامل مع الأمور.

وفي أثناء ولايته الأولى، تفاوض ترمب لإنهاء التورط الأميركي في أفغانستان، بعد عقود من جهود مكلفة لبناء الدولة، لكنها باءت بالفشل نهاية المطاف. وفي ولايته الحالية، أطلق كذلك عملية لفكّ الارتباط العسكري من العراق وسوريا، مكتفياً بدور سياسي داعم. وأبدى ترمب حرصه الدائم على تحقيق جزء مما يريده، مقابل عدم الإقدام على ما قد يضرّ خصومه. وكانت رسالته دوماً: «أعطني ما أريد، ولن أرسل الفتيان بالهراوات لتحطيم عظامك».

أما العامل الثاني الذي قد يجعل جولة المحادثات الجديدة مختلفة، فهو إدراك متأخر من بعض أركان القيادة في طهران أن الجمهورية الإسلامية لا تستطيع أن تقاتل على جبهتين؛ الداخلية والخارجية، في آن واحد.

واللافت أن مبادرة استئناف المحادثات جاءت من طهران، وإن كان ذلك بعد سلسلة من «المشاورات» مع روسيا وعدد من الدول الإقليمية، خاصة تركيا. وردّت الولايات المتحدة بالمطالبة بتوسيع جدول المحادثات ليشمل الدعم الإيراني المستمر (رغم تقلّصه) لوكلائها، وتقليص مدى صواريخها، و«قضايا إقليمية أخرى» (عبارة مشفرة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل نهاية الأمر).

وكما كان متوقعاً، رفض المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي هذا الطلب، مهدداً بإشعال حرب إقليمية في خطاب ألقاه.

وبحسب مصادرنا، وافق خامنئي على استئناف المحادثات بثلاثة شروط؛ أن تأتي المبادرة من الرئيس مسعود بزشكيان، ما يتيح إلقاء اللوم عليه حال الفشل، وأن تظل المحادثات غير مباشرة على الأقل في بدايتها، وأن يظل المشروع النووي البند الوحيد على جدول الأعمال.

وما أثار دهشة بعض المراقبين أن واشنطن وافقت، ما يدل على أن ترمب لا يزال يأمل في إنجاز ما فشل فيه سبعة رؤساء أميركيين؛ إقناع إيران بالتحوّل من أداة لتصدير الثورة إلى دولة طبيعية.

وتأتي الجولة الجديدة من المحادثات في سياق جديد، يتمثل في استبعاد الاتحاد الأوروبي من عملية بدأت قبل نحو عشرين عاماً، بمشاركة بريطانيا وألمانيا وفرنسا كلاعبين رئيسيين. ويبدو أن هذا الاستبعاد يروق لموسكو، التي ربما تلعب دوراً أكثر نشاطاً في إقناع طهران بإبداء قدر أكبر من المرونة. علاوة على ذلك، قد تساعد موسكو في حلّ مشكلة مخزون إيران الضخم من اليورانيوم المخصب، من خلال الموافقة على نقله إلى روسيا.

في الوقت الراهن، يبدو أن طهران مصممة على تقديم أقل قدر من التنازلات، بما في ذلك التصديق على البروتوكولات الإضافية لمعاهدة حظر الانتشار النووي، وتخفيف صرامة آليات تنفيذ أي اتفاق يجري التوصل إليه.

قد يخطر ببالك أننا نعيش دوامة لا تنتهي، فقد سبق أن مررنا بذلك. ولا يمكن استبعاد احتمال أن طهران تلعب من جديد على عامل الوقت، أملاً بأن تضعف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي موقف ترمب.

على الجانب المقابل، ربما تلعب الولايات المتحدة هي الأخرى لعبة الوقت، بانتظار تطورات على صعيد قضايا متعددة، مثل خلافة المرشد الأعلى، والمسار الذي ستتخذه التوترات الداخلية، والوضع الاقتصادي المتدهور في إيران، للوصول إلى نتائج ذات مصداقية. حتى إن جرى التوصل إلى اتفاق نووي، فلن تختفي «المشكلة الإيرانية». في الواقع، لطالما أكدت أن القضية النووية ما هي إلا انحراف عن جوهر المشكلة؛ الحاجة لأن تعود إيران عضواً طبيعياً في المجتمعين الإقليمي والدولي، تتصرف باعتبارها دولة طبيعية.

ويبدو أن ترمب يراهن على إمكانية استخدام هذه المحادثات كوسيلة لإبقاء الجمهورية الإسلامية على المسار المنشود، بعيداً عن المغامرات، ريثما تظهر قوى جديدة يمكنها رسم مسار مختلف لإيران. وحقيقة أن معظم القوى الإقليمية، بالإضافة إلى روسيا، حتى الصين إلى حد ما، كل هذه الدول تشارك الآن في دفع طهران بعيداً عن المغامرة، ما قد يسهم في تحييد الفصائل داخل النظام التي لا تزال تعارض المحادثات علناً، وتدعو إلى «التمسك بالنهج الذي رسمه الجنرال قاسم سليماني».

تلك الفصائل تصف ما يحدث بأنه نسخة جديدة من دبلوماسية المدافع البحرية في القرن التاسع عشر، جاءت على شكل دبلوماسية حاملات الطائرات التي يمارسها ترمب.

لكن الفارق أن ترمب لا يسعى إلى بناء إمبراطوريات، ليس لأنه لا يريد، بل لأن الولايات المتحدة، رغم عقود من الدعاية اليسارية، لم تتشكل يوماً كقوة إمبريالية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت دور الحارس للنظام العالمي، وأحياناً دور الهيمنة، لكنها لم تسعَ لبناء إمبراطورية. قد تنتهي محادثات مسقط كواحدة من عشرات المشروعات التي بدأها ترمب، من غزة إلى غرينلاند، دون معرفة الشكل النهائي بعد. وعلينا الانتظار لنرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الولايات المتحدة وإيران العودة من الحافة الولايات المتحدة وإيران العودة من الحافة



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:31 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
المغرب اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 13:10 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط فتاة وشاب يمارسان الجنس داخل سيارة نواحي الدريوش

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 11:49 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

تحطم طائرة عسكرية ومقتل طاقمها في الجزائر

GMT 21:00 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

هيكتور كوبر يصرح "قطعنا خطوة كبيرة نحو مونديال روسيا"

GMT 04:46 2019 السبت ,04 أيار / مايو

شركة أمريكية تزيد من عضلات "موستنج".

GMT 14:25 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما يحشد المواطنين ضد الكونغرس "بهاشتاج"

GMT 08:11 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

"فيرست وورلد جنتنج" أجمل فنادق ماليزيا على الإطلاق

GMT 00:32 2016 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد عبد العاطي يكثف الجهود لمواجهة السيول
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib