حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

المغرب اليوم -

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن

بقلم - حازم صاغية

كائنةً ما كانت النهاية التي سترسو عليها هذه الحربُ، فاحتمال انكسارِ الأوطان في منطقةِ المشرق العربيّ موجبٌ للقلق والمخاوف. أمَّا المقاوماتُ التي يطيبُ لبعضِ الأدبيّات القديمةِ وصفها رافعاتٍ لوحدةِ الشعوب، ولانصهارِها في بوتقةٍ جامعة، فهي نفسُها ما قد يفجّر تلكَ الشعوبَ ويكسر أوطانها.

يضاعف الاحتمال هذا أنَّ الحربَ الأخيرة - الراهنةَ نقلت موقعَ البلدان ذاتِ المقاومات المسلّحة، في لبنانَ خصوصاً ولكنْ أيضاً في العراق، من هوامش الصراع وأطرافِه إلى متنِه. هكذا تولَّت رفع «حظوظ» النهايات غير السعيدة لها ولأوطانها، بحيث غدا ترفيع كهذا أشبهَ بتقريب العنق من حدّ السكّين.

فإلى جانب الجبهة مع الخارج، تتناسل جبهات الداخل المتأهّبة ضدّ الداخل بما تنطوي عليه من طاقة انفجاريّة مدمّرة.

ذاك أنَّ الحقبةَ الإيرانيّة، والردودَ الإسرائيليّة عليها، دفعت الأطرافَ جميعاً، لا سيّما في لبنان والعراق اللذين تتشابه أوضاعهما، إلى أقاصي التطرّف. وليس من المبالغة القول إنَّ كثيرين باتَ يراودهم حبٌّ مُستجدٌّ ومخيفٌ للحرب الأهليّة المقيتة، وكلّ حربٍ أهليّة مقيتة تعريفاً. فكيف وأنَّ حرباً كهذه هي ما بدأ يتراءى لأولئك الكثيرين المتزايدين أنَّها ما قد يخلّص البلد المعنيَّ من احتلالٍ داخليّ يتسبّب، بين ما يتسبّب به، باحتلال خارجيّ.

وهذا ما بتنا نراه يوميّاً، أقلّه في لبنان، في الهجائيّات السياسيّة المتبادلة، وفي تصاعد التنميط الطائفيّ، وفي علاقات الشارع اليوميّة، لا سيّما مع أزمة النزوح الكثيف الذي بات يطال خُمس اللبنانيّين.

واليوم يقول لنا الواقع، ببلاغة جارحةٍ هي أقوى من كلّ الأفكار الوعظيّة، إنَّ ترميمَ ما انكسر أضحى مهمّة تقارب الاستحالة. فهذا ما نلمسه عند كلّ استئجار لشقّة سكنيّة، أو بيع لعقار، أو إنشاء لمركز يؤوي نازحين... وما يعزّز هذه الوجهة اليائسة بلبنان ضعف الأصوات النقديّة التي خرجت من «بيئة المقاومة» ردّاً على المأساة التي نزلت بها هي نفسها قبل أن تنزلَ بباقي الوطن.

ولا بأس، هنا، بالتذكير بأنَّ سيرورة انفكاك الجماعات الأهليّة، مصحوبة بهويّاتها المحتقنة، بدأت منذ عشرات السنين تحلّ محلَّ سيرورة التقارب والاندماج التي انطلقت، في عموم منطقتنا، مع نهاية الحرب العالميّة الثانية ونيل الاستقلالات.

فالوطن، تبعاً لكثيرين، تحوّل عبئاً على أبنائه وعلى بعض مكوّناته، ولم يعدِ الحفاظُ عليه يُغري من أضحوا يرونه مسرحاً للإخضاع وللاحتلال الداخليّ.

والحال أنَّ الأفكار التي انتعشت إبّان الحرب الباردة وازدهار الحقبة القوميّة فقدت صدقيّتها عند الجميع، ما خلا الأطراف القادرة على ممارسة الاحتلال الداخليّ والاستفادة منه، والتي أعادت صياغة تلك الأفكار بلغة الإسلام السياسيّ. فـ«الأمّة» و«الشعب» تناثرا «أمماً» و«شعوباً» ترى في «مكافحة الاستعمار والإمبرياليّة» أسباباً تجزّئها وتدفعها إلى التناحر أكثر كثيراً ممّا تدفعها إلى الوحدة والتضامن. أمّا البؤس الاقتصاديّ والشظف فبات ردّهما إلى الاحتلالات الداخليّة أكبر كثيراً من ردّهما إلى «الإمبرياليّة» التي يعوّل الجميع على استثماراتها لإعادة تعمير ما تدمّره تلك الاحتلالات وأنظمتها.

هكذا، وفي ظلّ خلاف يطال كلّ شيء تقريباً، تنهار لغة سياسيّة قديمة تاركةً للبنانيّين أن يحاولوا تأليف لغة، أو لغات، جديدة تواكب الواقع المستجدّ. فما يسود راهناً هو لونٌ من الطلاق مع لغة «المحبّة» و«الوحدة»، وهو طلاق متعاظم ومتوسّع. فالنفور من «وحدة المسار والمصير» الأسديّة، أو من «وحدة الجبهات» الإيرانيّة والإسلامويّة، أنجب نفوراً آخر من «الوحدة الوطنيّة» اللبنانيّة نفسها. ذاك أنَّ الأخيرة، كما يرى نقّادها، ليست فقط ضعيفة المناعة ضدّ الوحدات السابقة العابرة للحدود، بل كثيراً ما تكون طريقاً التفافيّة توصل إليها.

وكانت حقبة سابقة، مديدة نسبيّاً، قد طوّرت زجلاً لا ينقطع عن «الوحدة الوطنيّة» أريدَ من بعض تعابيره ومفاهيمه تجنّب الإقرار بتمزّق اللبنانيّين الداخليّ. هكذا، مثلاً، قال بعضهم بـ«حروب الآخرين على أرضنا»، نافياً تقاتُل اللبنانيّين، وذهبَ بعضُهم الآخر في تمويهه الانقسام حول حزب لبنانيّ، وإن كان تابعاً لإيرانَ، هو «حزب الله»، إلى الحديث عن «احتلال إيرانيّ للبنان».

أمّا الاحتلال الإسرائيليّ الجديد، وارتفاع الكثافة السكّانيّة في ظلّ تضاؤل المساحة الجغرافيّة، والصراع على مواردَ قليلة في ظلّ شحّ الدعم الماليّ الممكن، وفقدان الوزن والأهميّة في العالم، فكلّها أسبابٌ تضاعف موجبات الخوف. وإذ يكثر الكلامُ عن منازعات أهليّة يصعب تقدير حجمها ومداها، فالبائس أنَّ العقليّةَ القديمة تؤثر رفض الإقرار بعمق المشكلة القائمة، وتالياً رفض البحث الهادىء عن حلول لها، حتّى لو كانت نتيجة الاحتقان انفجاراً أهليّاً لن تتمكّن دولة ضعيفة ومستضعفة، وغير منيعة حيال الانشقاق، من لجمه أو تفاديه.

وأشدّ بؤساً من هذا كلّه أن ننتهي من دون وحدة ومن دون انفصال، مثلنا مثل غريغور سامسا، بطل فرانز كافكا. فالأخير لم يعد إنساناً كاملاً لأنّه تحوّل، في جسده، إلى حشرة، لكنّه لم يصر حيواناً كاملاً، لأنّ عقله لا يزال عقلاً بشريّاً. وكمثل سامسا العالق بين هويّتين ووضعين وتعريفين، قد ننتهي عالقينَ في مكان مشابه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن



GMT 12:16 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 12:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 12:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 12:12 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 06:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

GMT 06:04 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

الشرق الأوسط والغيبوبة

GMT 05:56 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

اقتصاد الليل

GMT 05:54 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

دولة الأفكار الجديدة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:20 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

منة شلبي تتعاقد على مسلسل "عنبر الموت"
المغرب اليوم - منة شلبي تتعاقد على مسلسل

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير

GMT 10:34 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانية تُقيم دعوى ضد تلميذ زعم ممارسة الجنس معها

GMT 18:07 2018 الثلاثاء ,08 أيار / مايو

‏فضل صلاة النافلة

GMT 11:42 2017 الأربعاء ,17 أيار / مايو

مرسيدس C63 كوبيه معدلة بقوة 603 أحصنة من Chrometec

GMT 02:32 2024 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

السعودي الدهامي إلى كأس العالم لقفز الحواجز 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib