الحرب ونفوسنا المصابة بالخَدَر

الحرب... ونفوسنا المصابة بالخَدَر

المغرب اليوم -

الحرب ونفوسنا المصابة بالخَدَر

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

تلاحقت أخبار وتقارير صحافيّة تفيد فرضَ «حزب الله» على بيئتِه ما يشبهُ المنعَ من أن تحزن. فالبلداتُ والمدنُ التي يُسوِّيهَا بالأرضِ فجورُ إسرائيلَ الدمويُّ، والبيوتُ التي تُهدّم، وأسبابُ الحياةِ وفُرص العملِ التي تُجتثُّ، ومعهَا ما يُستأصلُ من ذكرياتِ وأشياء وصُوَر حميمة، ووجوه أحبّاء ماتوا، وأصول ناس وجذورهم...، كلّها ينبغي ألَّا تحجبَ «الانتصار» وتُضعفَ المعنويّات. هكذا مثلاً تستعرضُ قناةُ «المنار» الحزبيّةُ رجالاً ونساءً وأطفالاً ومسنّينَ مغتبطينَ ومفعمينَ بالسُّرورِ من جرّاءِ هبوطِهم إلى جحيمٍ سوف تحفظُه في ذاكرتِها أجيالٌ بعد أجيال.

وليسَ إجراءٌ كهذا جديداً على أصحابِ التقاليد التي تشبه تقليدَ «حزب الله». فمن هذا القبيلِ أنَّ عائلاتٍ عراقيّةً قضَى بعضُ أبنائِها في سجونِ صدّام حسين، صاحبِ «أمّ المعارك»، مُنعت من إعلانِ الحدادِ وارتداءِ اللّون الأسود، وتُركت تعضُّ على حزنِها الخالدِ داخلَ نفوسها المغلقةِ عليه فلا تذلّله بإشهاره وإقامةِ العزاء.

واليومَ نجدُنا في مواجهةِ قمع العواطفِ وإنكارها لصالح «الانتصار». فحين يطرأ حدثٌ مؤلم، يستحيل كتمانُه، يكتفي المعلّقون بكلمتين أو ثلاث تترحّم على الضحايا، ليهرولوا سريعاً إلى فضح «العدوانيّة الصهيونيّة» وتوكيد «الصمود» في مواجهتها و«الانتصار» عليها، مع توكيد البقاءِ على العهد، كابراً عن كابر، كائنة ما كانت المآسي التي تخبّئها الأيّام والليالي.

ولمّا كانَ المصابون المباشرون بالكارثة من خارج البيئة الحزبيّة هم الذين يعبّرون عن الفقد الكبير، ووحدَهم مَن يُسمع صوتٌ لصراخهم، ويُرى الدّمع في عيونهم، بدوا هم المقصودين بحالة المنع الحزبيّة، ما يجعل قهرهم قهرين. هكذا، وفي عبارات يسطّرونها على وسائل التواصل، يتساءلون بحرقتهم ويأسهم: من يقف معنا؟ من يفعل شيئاً؟

أمّا خصوم «حزب الله» فليسوا، بدورهم، أبرياء. فهم أيضاً سريعاً ما يغادرون الإشارة إلى المأساة ليؤكّدوا على استخلاصات سياسيّة تحمّل الحزب وحربه المسؤوليّة عمّا حصل. ولئن كانت حصّة الحقيقة هنا أعلى كثيراً ممّا في الرواية الأولى، بقي أنّ التبلّد العاطفيّ يتحوّل صفة تلازم أغلب اللبنانيّين اليوم. وليس من الصعب الوقوع على شيء مماثل في بلدان المشرق العربيّ المبتلاة كلّها بحروب ضامرة تهمّ أن تنشب.

وهذا التسييس الوحشيّ الذي يريد أن «يبرهن» و«يعبّىء» أكثر كثيراً ممّا يريد أن يشعر ويتعاطف ويعبّر هو، في أغلب الظنّ، ترجمة لشيوع لون من العداوة، إن في المنطقة ككلّ أو داخل بلدانها بلداً بلداً. فكأنّنا نخوض حرب الجميع ضدّ الجميع في موازاة تلوّث مجتمعيّ شامل يقتات علينا ونقتات عليه. وفي احتراب أهليّ مطلق كهذا يغيب الفرد وألمه أو يُذوّبان في أوضاع الجماعة أو ما يُفترض أنّه جماعة، وأنّها أوضاع. أمّا الذين يقضون في القتال فيعوَّض فقدهم باستخدام فعل «ارتقى»، أو بوصف «شهيد سعيد»، ويا لها من سعادة!

ومع الانكفاء إلى هويّات مقاتلة تسود شيطنة أبناء الهويّات المقابلة وتنضب العواطف حيالهم، فيما تطلق الشيطنة العنان لأفعال الشتم والتشهير. ولمّا كان «حزب الله» الطرف الأشدّ تورّطاً في العداوات، والأكثر راديكاليّة في خوضها، بدا مفهوماً أن يتحوّل الناطقون بلسانه أشدّ الألسنة طلاقة في الشتم والتشهير هذين. فالاختلاف، مع انهيار كلّ معيار مشترك للحوار، يستبدل نقاش الحجج والأدلّة بالتهجّم على شخص الكائن المقابل أو على هويّته المفترضة أو سمعته. وبدورها تصبح اللغة لا أكثر من حجّة على انتماء صاحبها إلى معسكره ومغالاته في هذا الانتماء التي تصير سبباً لترقّيه في تمثيل قومه وجماعته.

فنحن، إذاً، وحيال ما تضاءلت إليه النفوس، أمام مجتمعات وأفراد بلا عواطف، أو أنّ عواطفها شُوّهت تماماً دليلاً على حالة مَرضيّة مُتفشّية. وهذا إنّما يرقى إلى اختلال بُنيويّ عميق ينمّ عن أنّنا جميعاً بتنا في وضع لا نُحسد بتاتاً عليه.

وفي سنوات التلمذة كنّا درسنا نعي ابن الروميّ مدينة البصرة بعد «ثورة الزنج»، والذي استنبط من الدمار إحساساً بانهيار العالم، وبامّحاء التاريخ، مع إبدائه احتجاجاً أخلاقيّاً يستنكر العنف والتوحّش. وكنّا درسنا أيضاً قصيدة أبي البقاء الرنديّ وهو يرثي الأندلس التي سقطت، فيتأمّل تقلّب الأزمنة وفناء الدنيا، متعدّياً نسبيّات السياسة إلى إطلاقيّة المعاناة الإنسانيّة.

واليوم تبدو الحياة الثقافيّة نفسها في خدَر لا ينجو من مفاعيله إلاّ قليلون. ومن الأرواح الحرّة المحاصَرة يأتينا صوت عبّاس بيضون، الشاعر اللبنانيّ والجنوبيّ، مستعيراً صوت أرميا، الشاعر النبيّ، في مراثيه:

«لكنّ البيت سقط بدويّ. لم يكن لأحد أن يسمعه. ما من لغة لهذا. هل كان ذلك صوته الأول؟ هل يمكن أن يكون وجده في السماء التي أطبقت عليه، في التاريخ القديم للحجارة، في ماضي الخشب، في ذكرى مطلع الخَلق ومطلع الأشكال؟

(...)

هل أمكن لذلك أن يكونَ انفجارَ النهار، انفجار المشيئة، هل أمكن أن يكونَ سديمَ الفكرة، وترابَ البدء، وربَّما أصل الأوقات والعدم المحيي.

لقد تكلَّمتِ الأحجار. تكلمت في الأعلى قبل أن تسقط خرساء، وقبل أن تنطرح في كل مكان».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب ونفوسنا المصابة بالخَدَر الحرب ونفوسنا المصابة بالخَدَر



GMT 20:20 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

أقوياء بكين

GMT 20:14 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات

GMT 20:11 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

السلام على لسان البابا والتضامن بين الأديان

GMT 20:09 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

«كان» يحتضن العالم!!!

GMT 20:06 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

كلها شرور

GMT 20:03 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

تغيير العالم إلى الخلف!

GMT 20:02 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

المعركة والحرب في الخليج؟!

GMT 14:35 2026 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

لا غضب لا كبرياء

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 20:45 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تتحدى من يشكك فيك وتذهب بعيداً في إنجازاتك

GMT 18:10 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

بداية جديدة في حياتك المهنية

GMT 15:13 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:45 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

5 أشخاص يُسيطرون على شكل الملابس في عام 2018

GMT 01:02 2023 الجمعة ,07 تموز / يوليو

نادي بنفيكا البرتغالي يُعلن عودة دي ماريا

GMT 14:51 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

أسعار القمح تتراجع مع وفرة المحاصيل واحتدام المنافسة

GMT 15:39 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

تذاكر مجانية لمتابعة مباراة تونس ضد موريتانيا

GMT 13:38 2024 الأحد ,21 كانون الثاني / يناير

صيحات سيطرت على إطلالات النجمات في حفل Joy Awards

GMT 11:06 2020 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أبرز نصائح الديكور لغرف الطعام العصرية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib