الكتّاب الصيادون

الكتّاب الصيادون

المغرب اليوم -

الكتّاب الصيادون

سمير عطاالله
بقلم : سمير عطاالله

يولدُ الكاتبُ وتولدُ معه محنة ترافقه طوال العمر: ماذا يكتب؟ وإذ يكثُرُ من حولِهِ النقّاد أو القراء أو المعجبون، يبقَى هو في قرارة نفسه الناقد الأكثر قسوة والقارئ الأقل حماساً لما يكتب. ونفهم مما روى معظم الكتّاب الكبار في العالم، أن المؤلف ما أن ينتهي من وضع عملٍ ما، حتى يكرره ولا يعود إلى قراءته مرة أخرى. أي أنَّ المنحة في الأساس هي شعوره الدائم بأنه لم يولد بعد، وبأنَّه لم يبلغ بعد ما أراد الوصول إليه، وعاجزٌ عن التعبير عن مكنوناته الكبرى لأنه لا يستطيع نقلها إلى الورق.

هذا هو حال الشعراء أيضاً وربما حال جميع المبدعين في كلِّ المهن والحرف. ولذلك يتطوّر الرسامون والكتّاب والمهندسون من مرحلة إلى مرحلة مختلفة تماماً، فلا يعود الفنان نفسه يتعرّف على ما وضعهُ في البدايات، أو حتى يقبله ويعترف بهِ. يقول بابلو نيرودا: «إن عمل الكتّاب، في رأيي، له شبه كبير بعمل أولئك الصيادين في القطب الشمالي، على الكاتب أن يبحث عن النهر فإن وجده متجمداً فإنه يضطر أن يثقب الجليد. عليه أن يُجلَد ويصبر، أن يتحمل الطقس المعادي والنقد المضاد. أن يتحدى التفاهة، أن يبحث عن التيار العميق، أن يرمي بالصنارة الصالحة الصائبة، ليُخرج بعد جهد جهيد وصبر شديد سمكة صغيرة. بيد أنه لا بد له من أن يرجع الكرة ويعود للضجيج من جديد، ضد البرد، ضد الصقيع، ضد الماء، ضد النقد، وهكذا دواليك حتى يُخرِج في كل مرة صيداً أكبر وأعظم».
نيرودا أيضاً لم يكتفِ بأنّه أعظم شعراء أميركا اللاتينية، ومنذ اللحظة الأولى ظلَّ يسافر في أقاسي الأرض والقارات، من المكسيك إلى سريلانكا إلى الصين إلى باريس إلى موسكو إلى الأرجنتين وإلى سائر العالم. وقال مرة عندما التقى أحد رواد الفضاء الروس إنّه لم يبقَ عليه سوى رحلة إلى مدار الأرض، لكنّه لم يعد قادراً عليها بسبب تقدّمه في السن. هكذا تختلِطُ حياة الكتّاب والشعراء والصحافيين، جميعهم يبحث عن العمل القادم، وجميعهم لا يرضى عن العمل الماضي، وجميعهم يخشى أن يصل ذات يوم إلى الجدار المسدود فلا يعود أمامه شيءٌ يقدِّمه إلى الناس. أي نفسه.
روائي أميركا الأول فيليب روث أعلن التوقّف عن العمل عندما بلغ الثمانين قائلاً إنّه لم يعد لديه شيءٌ يعطيه. وأعتقد أنه لم يكن صادقاً ولا حتى ضجراً أو ملولاً وبعد هذا الإعلان بقليل غاب تاركاً خلفه أعمالاً فائقة في وصف الحياة الأميركية على نحوٍ درامي. لقد كان واحداً من رسامي العمق الاجتماعي مثل ويليام فوكنور وجون أبدايك وأرنست همنغواي. أي تلك الكوكبة التي عاشت – كما قال – نيرودا مثل الصيادين تبحث عن الزمرد والحصى وكآبة الحياة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكتّاب الصيادون الكتّاب الصيادون



GMT 08:24 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:27 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

فتّش عن المرأتين

GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

إيمان الباني تنتظر مولودها الثاني وتلهم المتابعين بإطلالاتها العصرية

أنقرة ـ المغرب اليوم

GMT 03:20 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

سهم سبيس إكس يقفز 19% ويغلق عند 161 دولار

GMT 13:40 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

ابتكار جديد يمنح الروبوتات حاسة لمس مرئية

GMT 01:24 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

إضاءة القمر تنخفض إلى 18% مع اقترابه من المحاق
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib