في انتظار سيجارة مع داوود عبدالسيد

في انتظار سيجارة مع داوود عبدالسيد!

المغرب اليوم -

في انتظار سيجارة مع داوود عبدالسيد

طارق الشناوي
بقلم : طارق الشناوي

أفلامه الروائية قليلة العدد، لم تتجاوز تسعة، تلك التى شكلت الخريطة الإبداعية للمخرج الكبير داوود عبدالسيد، احتلت مكانة استثنائية فى تاريخنا السينمائى، يحلو لأصدقاء داوود أن يطلقوا عليه (حكيم الجيل)، فهو يتأنى فى اختيار الكلمة، ويفكر ألف مرة قبل أن يمسك القلم، ولا يشرع فى التصوير إلا بعد أن يتجسد فى خياله الشريط كاملا.

امتلك داوود عبدالسيد ميكروسكوباً وتليسكوباً، كان يقترب بالميكروسكوب من التفصيلة الدقيقة ليصنع منها عالما مترامى الأطراف، وفى نفس اللحظة كان قادراً بنظرة من خلال التليسكوب أن يرى الكون كله فى لقطة، ببراعة سينمائى قرر أن يمزج وجدانه مع أحاسيس الناس، ويُحيل كل ذلك إلى أفلام تحتل مكانة دائمة فى وجداننا بدقة

(الميكروسكوب ) وبانورامية (التليسكوب)!!.

تعرفت على داوود عبدالسيد، مطلع الثمانينيات، لم يكن قد أخرج سوى عدد محدود من الأفلام التسجيلية، ولم أكن قد شاهدت أيا منها، أثناء احتفال أقامه المركز القومى للسينما، بمناسبة بلوغ المخرج التسجيلى الكبير صلاح التهامى الستين من عمره. استوقفنى مقال كتبه داوود، وتعرفت على صاحب المقال، ثم شاهدت أفلامه التسجيلية مثل (رقصة من البحيرة) و(وصية رجل حكيم)، ثم بدأت رحلته مع الأفلام الروائية، وفى كل مرة أتذكر أن تفرده وصدقه وحميميته فى المقال هى نفسها التى تلمحها فى أفلامه!!.

أغلب السينمائيين يضعون يوسف شاهين كأستاذ ومعلم فى مكانة استثنائية، ورغم اعتراف داوود بإنجاز يوسف شاهين، إلا أن تلك المكانة الخاصة عنده من نصيب توفيق صالح.

تأخر دخول داوود لعالم السينما الروائية. هو خريج معهد السينما ١٩٦٧، التى أطلقوا عليها تهكما (دفعة النكسة)، كانت أولى الثمرات (الصعاليك) ١٩٨٥، قبلها كان هناك أكثر من سيناريو مجهول قرأتها له مثل (كفاح رجال الأعمال).

أتذكر أن المخرج أشرف فهمى طلب منه أن يكتب له فيلما، وكان داوود لا يعمل، ومتزوج من الكاتبة الصحفية كريمة كمال، وعليه التزامات مادية طاحنة، إلا أنه اعتذر، فهو يكتب فقط لداوود.

وانتقل إلى فيلمه الثانى ليسبح فى منطقة إبداعية ساحرة تعمقت فى الكثير من إبداعاته التالية، العلاقة مع الله أتحدث عن (البحث عن سيد مرزوق).

ثم يأتى أكثر أفلامه شعبية، والذى من الممكن أن تصبح مشاهدته مضادا حيويا ضد الاكتئاب (الكيت كات)،

التحدى هو القيمة التى يحملها بطل الفيلم (الشيخ حسنى)، والتحدى هو السلاح. داوود يتحدى بهذا الفيلم همومنا وإحباطنا وعجزنا ويجبرنا مهما ضاقت بنا الدنيا على أن نمرح ونضحك ونحلق ونغنى معه (درجن درجن درجن درجن)!!، جزء كبير من ملامح (الشيخ حسنى) ولدت فى منزلى، عندما جاء محمود عبدالعزيز وداوود عبدالسيد لتقديم واجب العزاء فى والدى، وتعرفا على المقرئ الضرير الشيخ عيد الأبيض، استوقف داوود ومحمود شىء ما فى (عيد الأبيض)، والتقيا به مرتين فى بيتى، والتقط محمود أكثر من تفصيلة تركت بصمتها على الشيخ حسنى!!.

ووصلنا إلى (أرض الخوف)، تأخر كثيراً لقاء داوود مع أحمد زكى، منذ أول أفلامه (الصعاليك) وأحمد زكى يشكل لداوود أحد الجسور الإبداعية، لأسباب خاصة اعتذر، وكان أحمد أيضاً هو المرشح الأول لـ(سارق الفرح) وجاء اللقاء المرتقب ٢٠٠٠ مع (أرض الخوف).

ثم (مواطن ومخبر وحرامي) ٢٠٠١ عندما ذابت الفروق بين اللصوص والشرفاء وانهارت قوة القانون أمام قانون القوة، الصراع الذى كان حتمياً فى الماضى بين الحق والظلم.. بين الجمال والقبح.. بين النغم والنشاز.. تحول مع مرور الزمن إلى تعايش سلمى، يأخذ الحق الظلم بالأحضان، ويتغزل الجمال فى مفاتن القبح، ويقول النغم للنشاز الله الله!!.

بعدها يقدم داوود (رسائل بحر) لتكتشف أنه رسالة من الله، ولكن من قال إن كل البشر يستطيعون قراءة رسائل الله، ويبقى فيلمه التاسع (قدرات غير عادية)، الذى يتحرك فى مساحة درامية تقف دائما بين الشك واليقين، وتلك الومضة السحرية فى العلاقة مع الخالق.

منذ عشر سنوات وداوود مبتعد عن الاستوديو، كتب عدة أفلام بينها (حب)، ورشح محمد رمضان لبطولته، تعثر إنتاجيا، ننتظر جميعا عودة داوود لمعشوقته السينما، وأنا أنتظر أن ألتقيه شخصيا، وداوود مبتعد بإرادته، وأنا لا أريد أن أثقل عليه بالاتصال، الأصدقاء يعلمون أننى لا أدخن، إلا أننى حبا فى داوود كنت أدخن سيجارة واحدة معه لأنه يحلو له أن يصنعها بيديه، ولا أزال أنتظر سيجارة مع داوود منذ ثلاث سنوات!!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في انتظار سيجارة مع داوود عبدالسيد في انتظار سيجارة مع داوود عبدالسيد



GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الرؤية الإلكترونية

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

مولد سيدي أبوالحجاج الأقصري

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ما بناه الدكتور شاكر

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

تحت الشباك ولمحتك يا جدع!

GMT 07:45 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

فانتازيا مظلمة

GMT 07:44 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ماذا فعلت إسرائيل بأمريكا؟! (2)

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعني أسأل

GMT 07:14 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هرمز... نووي إيران الجديد

GMT 11:00 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

سعد لمجرد يبدأ تصوير أول أعماله في التمثيل بمصر
المغرب اليوم - سعد لمجرد يبدأ تصوير أول أعماله في التمثيل بمصر

GMT 19:53 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

تمتع بالهدوء وقوة التحمل لتخطي المصاعب

GMT 21:14 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تجنب اتخاذ القرارات المصيرية أو الحاسمة

GMT 21:02 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

"اصاحبى" يجمع بيومي فؤاد مع محمد ثروت

GMT 12:45 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 05:38 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

عمرو الليثي يُوضّح كواليس آخر حوار أجرته الراحلة شادية

GMT 00:24 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

اليابان تخطط لبناء أسرع حاسب عملاق في العالم

GMT 18:52 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أنباء عن تغيير موعد مواجهة نهضة بركان والوداد البيضاوي

GMT 00:51 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

رامي رضوان يؤكد أن تقديم توك شو صباحي أسهل من المسائي

GMT 11:18 2015 الجمعة ,17 تموز / يوليو

السجن لأب أسترالي زوج ابنته ذات الـ12 عام

GMT 00:45 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد شاغو يطالب الجماهير المراكشية بالعودة إلى المدرجات

GMT 08:16 2024 الإثنين ,27 أيار / مايو

إصابة وزير الثقافة المغربي بفيروس كوفيد -19
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib