بين حيرة الحليف وخطر الجار

بين حيرة الحليف وخطر الجار

المغرب اليوم -

بين حيرة الحليف وخطر الجار

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

منطقتنا اليوم واقعة بين خطر الجار، بمعناه الواسع، وحيرة الحليف الأقوى عالمياً. فكيف نفكر في أمنها انطلاقاً من قدراتنا؟ نقطة البداية أن أول العلم دقة الوصف: أن نرى ما يجري حولنا بتجرد. فالحليف الكبير يستطيع إعادة ترتيب أولوياته ومغادرة المنطقة وفق مصالحه، أمَّا دولنا فعليها أن تعيش مع نتائج الحرب ومع جيرانها. وهذا الاختلاف الجغرافي ينتج اختلافاً في المصالح بين الحلفاء. ولذلك، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار عندنا هو: أي توازن إقليمي يجعل بلداننا أكثر أمناً ويمنحها قدرة أكبر على تقرير مستقبلها؟

سمعت حديثاً للسيد عمرو موسى عبر إحدى الفضائيات، طرح فيه الوزير الأسبق مقاربته لما يجري حولنا. ولو افترضنا أنَّ عمرو موسى سائق شاحنة على طريق سريع، وليس وزيراً أو أميناً عاماً سابقاً للجامعة العربية، لقلنا، مجازاً، إنه يستطيع قيادتها وهو نصف نائم؛ لأنَّه يعرف مطبات الطريق وأين يتوقّف لشربة ماء. هذه الخبرة الطويلة والذاكرة المؤسسية تستحقان الاحترام والإنصات.

ومن معرفتي بعمرو موسى، أراه قادراً على صياغة مقاربة للأزمة الإقليمية، وترجمتها إلى خطوات دبلوماسية: تحديد الأطراف المعنية، وترتيب الاتصالات، واستكشاف التنازلات الممكنة، وفتح قنوات للحوار. لكن هذه القدرة تحتاج إلى عمل آخر يكملها: تطوير مفهوم للأمن الإقليمي يحدد غاية الحركة ومعيار نجاحها. وما أراه نقصاً في مقاربته هو غياب هذا البناء المتكامل، وهذه مهمة فريق متخصص حوله، يصل خبرة المفاوض بمعرفة الباحث وحسابات المخطط.

فالمقاربة تحدد كيف نقترب من المشكلة، والدبلوماسية تحرك الأطراف نحو تسوية، أما المفهوم فيحدد النظام الذي نريد أن تنتجه التسوية، وكيف يمكنه الاستمرار. قد تنجح وساطة في وقف الحرب، ويبقى توزيع القوة قادراً على إنتاجها مجدداً. ولهذا يبدأ بناء المفهوم بتحديد ما نحميه: بقاء الدول، وسيادتها، وأمن مجتمعاتها، وحرية الملاحة، واستمرار التنمية. ثم نرتب هذه الغايات، ونحدد أثمانها وحدود قدرتنا على تحقيقها.

هنا تفيد المدرسة الواقعية في الخطوة الأولى: رسم خريطة القوة والتهديد. من يملك القدرة على الإيذاء؟ ومن يملك إرادة استخدامها؟ وما الذي نستطيع ردعه بأنفسنا؟ وما الذي يحتاج إلى شراكة؟ علينا التمييز بين جار مختلف معنا وجار يهددنا، وبين وعد الحليف والتزام يمكن الاعتماد عليه. ومن هذه الخريطة نستخرج الحد الأدنى من القدرة الذاتية اللازمة لمنع الابتزاز.

وتأتي المؤسسية الليبرالية في الخطوة الثانية، لتحويل التفاهمات إلى ترتيبات تعيش بعد الاجتماعات. نحتاج إلى آليات للتشاور، وتبادل المعلومات، وتسوية النزاعات، ومراقبة الالتزامات، وإدارة الحوادث البحرية والجوية قبل تحولها إلى حروب. فالثقة السياسية تتبدل، أما المؤسسة الجيدة فتقلل تكلفة الشك، وتجعل خرق الاتفاق مكلفاً. وهنا يصبح السؤال: أي قواعد ومصالح مشتركة تجعل التعاون قابلاً للاستمرار حتى عندما تختلف الحكومات؟

وتضيف المدرسة البنائية خطوة ثالثة: فحص الطريقة التي نعرّف بها أنفسنا وجيراننا. فالتهديد قدرة مادية، لكنَّه أيضاً تصور يتشكل بالتاريخ والخطاب والخوف المتبادل. علينا أن نسأل متى يصبح الخلاف عداوة دائمة، وكيف يمكن تغيير السلوك دون اشتراط تغيير الهوية. وهذه الخطوة تمنعنا من بناء أمننا على افتراض أن كل جار خصم أبدي، أو أن التقارب اللفظي دليل كافٍ على زوال الخطر.

وتنبهنا مقاربة الأمن الإنساني إلى خطوة رابعة: اختبار أثر الترتيبات المقترحة في حياة الناس. فالتنمية هنا مصدر للقدرة على الصمود، كما أن صيانة الداخل تقلل فرص التدخل الخارجي وتجنيد الوكلاء واستثمار الانقسامات.

بعد ذلك تأتي خطوة التركيب والاختبار. نختار من المدارس ما يجيب عن أسئلتنا، ثم نصوغ بدائل ونختبرها أمام سيناريوهات انسحاب الحليف، أو تصعيد الجار، أو تزامنهما. ولكل بديل موارد مطلوبة، وتكلفة محتملة، وجدول زمني، ومؤشرات نجاح. عندئذ نستطيع تسمية المفهوم المقترح: استقلال القرار الإقليمي، بقدرة دفاعية مشتركة، وقواعد تعايش قابلة للتحقق، وشراكات خارجية متعددة.

بهذا المعنى، يمكن أن يشكل هذا الحديث نواة مبادرة تحدد المصالح المشتركة، والبدائل، والمسؤوليات، وآليات التنفيذ والمراجعة. فتنويع الشركاء يحتاج بدوره إلى مفهوم يحدد وظيفة كل شراكة وحدودها، ويمنع تعارض الالتزامات. وعندها تلتقي حركة الدبلوماسي مع تصور استراتيجي يمنحها غاية قابلة للتحقيق.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين حيرة الحليف وخطر الجار بين حيرة الحليف وخطر الجار



GMT 11:50 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 11:49 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 11:47 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الاحتجاجات المتكررة

GMT 11:45 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 11:44 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 11:41 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 11:40 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 11:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

هل الإنسان عمره ٦٠٠٠ سنة؟

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 22:55 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

عرض مسلسل "الحقيقة والسراب" على شاشة "نايل دراما"

GMT 07:10 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020

GMT 15:13 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib