حجارة «الشقيف» لو تكلمت

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

المغرب اليوم -

حجارة «الشقيف» لو تكلمت

بقلم:مشاري الذايدي

لقلعة الشقيف أهمية تاريخية واستراتيجية كبيرة، إذ تقع هذه القلعة العتيقة فرق مرتفع عالٍ يكشف لها نهرَ الليطاني ومعابره وكذا نقاط مثل مرجعيون إلى قرب قرى شمال إسرائيل. وهي اليوم تئنّ من اشتداد الغارات الإسرائيلية عليها وعلى محيطها شرق مدينة النبطية جنوب لبنان.

هذه القلعة يُرجعها بعض الباحثين إلى عصر الرومان، لكنّ مجدها الحقيقي جاء مع عمارة الصليبيين لها، وتوسعتها وشق معابرها السرية إلى نهر الليطاني.

قلعة الشقيف، أطلق عليها الصليبيون اسم قلعة «بوفورت»، أي «الحصن الجميل»، وقد سقطت القلعة لاحقاً بيد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار عنيد، ثم استردها الصليبيون لفترة وسكنها «فرسان المعبد»، حتى سيطر عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268م.

اليوم تعد هذه القلعة من كنوز لبنان العمرانية التاريخية، قلعة تتمتع منذ عام 2024 بصفة «الحماية المعززة» بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في أثناء النزاعات المسلحة، حسبما قالت بلدية أرنون -التي تتبع لها القلعة- في بيان لها.

لكن هذه القلعة الحجرية العريقة التي شهدت حجارتها وتلالها صرخاتِ فرسان الهيكل الصليبيين وجنود وضباط نبلاء الصليبيين الغزاة، مع تكبيرات جنود صلاح الدين والظاهر بيبرس.. هذه القلعة رفضت التخلي عن قيمتها العسكرية الاستراتيجية والتقاعد والذهاب إلى متحف التاريخ.

هي بنفس أهميتها أيام الملك الصليبي بلدوين، وصلاح الدين، لكن ليس بسبب مناعة حجارتها بل بسبب موقعها الخطير.

الشقيف ومعها الليطاني، ومرجعيون، والنبطية، وبنت جبيل، ومارون الراس، والناقورة... ليست مجرد أماكن، بل هي مفاتيح المكان وسلالم الوصول إلى القمة والسيطرة في هذه البقعة من العالم.

الجغرافيا في هذه الرقعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين، قرب الساحل، بقيت هي العنصر الأكثر ثباتاً من الحروب الصليبية والعهد الصليبي إلى الحروب الإسرائيلية والعهد الإسرائيلي، معالم هذه الجغرافيا هي:

الساحل، والممرات الجبلية، والأنهار، والحصون المشرفة، والقرى التي تتحول عند الحرب إلى عُقد مراقبة وإمداد ومقاومة.

في العصر الحديث كان للشقيف موعدها مع التاريخ الحربي المعاصر. ففي عام 1982 شهدت أعنف معركة بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم من اللبنانيين. ثم احتلتها إسرائيل حتى عام 2000. الجغرافيا لها روح لا تموت ونَفْس لا تشيخ مهما تبدَّل البشر فوق أديم هذه الجغرافيا، وهذا يطرح سؤالاً مفتاحياً: هل البشر وتنظيماتهم السياسية وبناهم الاجتماعية هم نتاج هذه الجغرافيا، أم أن البشر هم سادة الأرض ومَن يصنع أهميتها، مثلما بعض القادة النوابغ في أراضٍ لا تملك ثروات طبيعية او موقعاً تجارياً مهماً؟!

الأكيد أن حجارة الشقيف المشبعة ببخار التاريخ العتيق تقول إن المجد للجغرافيا وحجارتها أولاً وآخراً... كأن البشر على تعاقب الزمان هم فرق مسرحية متعاقبة على خشبة مسرح واحد!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حجارة «الشقيف» لو تكلمت حجارة «الشقيف» لو تكلمت



GMT 23:14 2026 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

الاستثمار .. متى يُصَحَّح المسار

GMT 23:11 2026 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

إسرائيل أسيرة عقدة “طوفان الأقصى”

GMT 23:09 2026 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

تشابه

GMT 23:07 2026 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

الراحل البرازيلي و«الصورة المأسورة»

GMT 23:02 2026 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

المائة عام القادمة... إعادة قراءة للمستقبل

GMT 23:00 2026 الأربعاء ,19 آب / أغسطس

الإعجاز العلمي وقناص تكساس

إيمان الباني تنتظر مولودها الثاني وتلهم المتابعين بإطلالاتها العصرية

أنقرة ـ المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib