الخروج من العزلة الأخطر

الخروج من العزلة الأخطر!

المغرب اليوم -

الخروج من العزلة الأخطر

حسين شبكشي
حسين شبكشي

هل كان سيلقى جبران خليل جبران نصيبه نفسه من القبول والشهرة والانتشار لو استمر في الكتابة باللغة العربية وبقي في لبنان، أم أن قرار انتقاله لوطنه الجديد بالولايات المتحدة والكتابة باللغة الإنجليزية كانا السبب الفارق فيما حدث له من نقلة نوعية لافتة مهمة جداً؟ هذا السؤال يتكرر في حالات كثيرة مماثلة ومشابهة، مثل الكاتب التشيكي العملاق ميلان كونديرا الذي انتقل للعيش بالعاصمة الفرنسية باريس واختار الكتابة بلغتها، وخالد حسيني ابن كابل في أفغانستان الذي انتقل للولايات المتحدة وكتب من هناك باللغة الإنجليزية، وأيضاً هناك جومبا لاهيري الكاتبة البريطانية - الأميركية الآتية من أصول هندية التي اختارت الكتابة باللغة الإيطالية، وهناك الروائي المغربي الطاهر بن جلون الذي انتقل لفرنسا وكتب بلغتها، وإيليف شافاك التركية التي اختارت بريطانيا للعيش فيها وأن تكتب بلغتها، وصمويل بيكيت الكاتب الآيرلندي الذي اختار فرنسا موطناً وتبنى الكتابة بلغتها، وجوزيف كونراد الكاتب البريطاني الذي اختار الكتابة باللغة البولندية، وأمين معلوف ابن لبنان الذي استقر في فرنسا واختار الكتابة بلغتها، والعملاق التشيكي فرانز كافكا الذي استقر في ألمانيا وكتب حصرياً بلغتها.

هذه مجرد أمثلة محدودة جداً للهويات اللامحدودة في العالم. تذكرت هذا الشيء وأنا أتابع ردود الفعل الحاصلة تباعاً مع موقف أنصار الشعبوية السياسية والتيارات العنصرية التي تختبئ تحت غطاء الوطنية... في عالم واسع الآفاق، يخرج من إحدى مناطقه فيروس يدمر بلاد العالم، ليتلهف العالم بانتظار لقاح ينتج ويورد لإنقاذه من هذا الوباء المدمر، لن يسأل العالم عن «أصل» مخترع اللقاح، ولا يهمه لون بشرته ولا دينه ولا طريقة تفكيره. في ظل أفول عصر الأفكار الكبرى التي جاءت بالشيوعية والاشتراكية والنازية والرأسمالية، لن يكون مقبولاً أن تأتي فكرة بلا منهجية أخلاقية، هدامة للقيم المشتركة، مثل ما تقدمه الشعبوية، بصفتها طرحاً سياسياً عالمياً جديداً.

الاقتصاد، كما جرت العادة، هو الذي يصنع السياسة ويحدد مساراتها. بريطانيا اليوم تدفع ثمناً باهظاً لاستجابتها للتيارات الشعبوية التي كلفتها ثمن عضويتها بالاتحاد الأوروبي، والآن هناك خطر وتهديد جدي بأن تفقد اسكوتلندا من مملكتها المتحدة بعد تواتر أخبار جدية عن قرب حصول استفتاء شعبي على ذلك، وبالتالي قد يكون ذلك تمهيداً خطيراً جدياً للتحول التدريجي من بريطانيا العظمى إلى إنجلترا الصغرى. والشيء نفسه ممكن أن يقال عن حقبة دونالد ترمب في الولايات المتحدة التي أدت إلى شروخ وتداعيات بينية في قاعدة المجتمع الأميركي نفسه. والأعراض المؤلمة نفسها يجري الحديث عنها في الأوساط المجتمعية في البرازيل، بسبب سوء إدارة الأزمة الصحية والخطاب السياسي المتطرف الذي تم تبنيه في العهد الحالي.
في ظل اقتصاد معولم، يعتمد بشكل كامل مطلق على حرية حركة الأفراد والأفكار والأموال بشكل عابر للحدود والقيود، يكون الحديث عن الجدران العازلة، سواء أكانت فعلية أم فكرية، ضرباً من العنصرية القبيحة والجنون الفعلي. العالم ليس لوحة رسمت بالأبيض والأسود، وتم تقسيم سكانه بين أناس يشبهوننا وأناس آخرين وجبت معاداتهم... العالم كتلة من الألوان الثرية التي تكسر النمطية وتوسع الآفاق، ولكل هذه مزايا لا يقدر عليها من كان في قلبه مرض اسمه العنصرية.

عندما قام الكاتب الروائي الأميركي الآتي من أصول أفريقية أليكس هايلي بتأليف ملحمته الخالدة «الجذور» التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني ناجح جداً، سرد فيه قصة وصول جد جده عبداً مقيداً بالسلاسل من غرب أفريقيا ليباع في ولايات شرق أميركا، كان هذا العمل الروائي التلفزيوني بمثابة مكالمة إيقاظ عنيفة جداً للمجتمع الأميركي، جعلته يراجع كثيراً من تشريعاته وسياساته العنصرية بعد أن أزيل اللثام عن الوجه القبيح للعنصرية في الولايات المتحدة.

المجتمعات لها أن تختار المنهجية الأخلاقية التي ستسير عليها، وتبني مستقبلها على مبادئها. خيارها إما أن تغوص في هوية أحادية شكاكة انعزالية مليئة بالقلق والتوتر، أو هوية آمنة مطمئنة مقبلة على الجميع بحسن ظن كبير. العالم بحاجة ماسة للخروج الفكري من الخطاب الانعزالي، خصوصاً في ظل تأجج العزلة نتاج تفشي جائحة «كوفيد-19» المدمر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخروج من العزلة الأخطر الخروج من العزلة الأخطر



GMT 06:49 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

بقعة خلف بقعة

GMT 06:47 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

الملك فاروق... إنصافٌ متأخر

GMT 06:45 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في مصلحة مَن تقسيم إيران؟

GMT 06:43 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

في انتظار «الأنبياء الكذبة»!

أصالة نصري بإطلالات شرقية تجمع الفخامة والوقار

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 10:00 2026 الأحد ,08 شباط / فبراير

المكملات العشبية ودورها في دعم صحة القلب
المغرب اليوم - المكملات العشبية ودورها في دعم صحة القلب

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 17:53 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شاومي تستعد لهاتف فائق النحافة لمنافسة iPhone Air وGalaxy Edge

GMT 13:35 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 16:11 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تثق بنفسك وتشرق بجاذبية شديدة

GMT 10:50 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

أحدث صيحات قصات الشعر المجعد

GMT 17:53 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

تعرف على عدد السيارات التي أنتجتها فولكس فاجن في 2017

GMT 18:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib