دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني

دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني

المغرب اليوم -

دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني

بقلم: عثمان ميرغني

تفرض الحرب التي يشهدها السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 أسئلة جدية حول مستقبل الأمن القومي، وطبيعة العقيدة العسكرية التي يمكن أن تحكم عمل القوات المسلحة خلال المرحلة المقبلة. فقد كشفت التجربة العملية عن تحولات كبيرة في طبيعة التهديدات، وفي أساليب القتال، وفي حجم التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، الأمر الذي يجعل مراجعة المفاهيم العسكرية التقليدية مسألة تستحق النقاش الجاد.

لعقود طويلة، ارتكزت العقيدة العسكرية السودانية على فلسفة دفاعية تقوم على حماية الحدود والسيادة الوطنية وتجنب الانخراط في حروب خارجية، وظل الجيش يعمل وفق مفهوم دفاعي تقليدي يركز على صد الاعتداءات أكثر من المبادأة بالهجوم.

غير أن الحرب الحالية كشفت واقعاً مختلفاً. فقد شهد السودان تدفقات للسلاح عبر الحدود، واستخدام أراضي دول مجاورة كنقاط انطلاق أو دعم لعمليات عسكرية، كما أظهرت الأزمة محدودية قدرة المنظمات الإقليمية والدولية على توفير حماية فعالة للدول التي تواجه تهديدات وجودية. وفي مثل هذه البيئات الأمنية المعقدة، تصبح الدول أكثر اعتماداً على قدراتها الذاتية في الردع والدفاع عن سيادتها.

في هذا السياق، تكتسب التصريحات التي أدلى بها قبل فترة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح البرهان أهمية خاصة لأنه أفصح فيها عن التفكير الذي يتبلور في أوساط المؤسسة العسكرية في ضوء تجربة الحرب الراهنة. فقد أشار إلى أن العقيدة العسكرية السودانية ظلت دفاعية منذ تأسيس الجيش، لكن التطورات الأخيرة تفرض عليهم إعادة النظر في بعض المفاهيم المرتبطة بوسائل الردع والقدرة على مواجهة مصادر التهديد.

تغيير العقيدة العسكرية ليس أمراً جديداً، ولا حكراً على دولة معينة، بل هو إجراء تقوم به الجيوش عندما تفرض التغيرات الجيوسياسية، أو التطورات التكنولوجية، أو ظروف الحروب تكتيكات جديدة لحماية الأمن القومي.

وفي رأي العسكريين فإن الحديث عن تطوير العقيدة العسكرية لا يعني الانتقال إلى سياسة هجومية بالمعنى التقليدي، بقدر ما يعني الانتقال من مفهوم «الدفاع الساكن» إلى مفهوم أكثر مرونة يقوم على الردع الفعال والمبادأة الاستباقية عند الضرورة. فالتجارب العسكرية الحديثة أثبتت أن انتظار التهديد حتى يصل إلى خطوط الدفاع الأولى قد لا يكون كافياً في مواجهة قوات تعتمد على الحركة السريعة والحرب غير النظامية.

كما أظهرت تجارب العديد من الحروب أن الجيوش التقليدية تواجه تحديات كبيرة عند القتال داخل المدن، وفي مواجهة ميليشيات مسلحة تعتمد الحركة السريعة وتتجنب الدفاع الثابت. فقد صُممت العديد من العقائد العسكرية الكلاسيكية للتعامل مع جيوش نظامية واضحة التشكيل وخطوط مواجهة معروفة، بينما تتطلب الحروب الحديثة أدوات أكثر مرونة تعتمد على الاستخبارات الفورية، والعمليات الخاصة، والاستجابة السريعة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير قدرات القوات المسلحة في مجالات الاستطلاع، والعمليات الخاصة، والحرب الإلكترونية، واستخدام الطائرات المسيّرة، بما يتيح امتلاك قدرة ردع فعالة وقدرة أكبر على التعامل مع التهديدات قبل تحولها إلى خطر مباشر، كما يقول العسكريون.

ويعد التطور التكنولوجي، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، أحد أبرز العوامل التي تدفع الجيوش حول العالم إلى مراجعة عقائدها القتالية. فقد أصبحت هذه المنظومات قادرة على تجاوز الحواجز الجغرافية التقليدية والوصول إلى مراكز القيادة والإمداد بكلفة منخفضة مقارنة بالأسلحة التقليدية. كما أسهمت المسيرات في تقليص الزمن الفاصل بين الاستطلاع وتنفيذ الضربة، الأمر الذي غيّر طبيعة المعركة الحديثة بصورة جوهرية.

كذلك أدت هذه التكنولوجيا إلى زيادة التهديدات من الحركات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة؛ حيث باتت القدرات الهجومية التي تتيحها المسيّرات متاحة بكلفة أقل، وهو ما يفرض على الجيوش النظامية تطوير وسائل الدفاع الجوي القصير المدى، وأنظمة الحرب الإلكترونية، ومنظومات الكشف المبكر، بالتوازي مع تطوير القدرات الهجومية.

وفي رأي العسكريين، فإن أي تحول في العقيدة العسكرية السودانية سيقود بالضرورة إلى مراجعة أولويات التسليح والتدريب والإمداد. فبدلاً من الاعتماد الكامل على النظم التقليدية الثقيلة، ستزداد أهمية التقنيات الذكية، والتصنيع العسكري المحلي، والقدرات المرتبطة بالمسيرات والاستطلاع الإلكتروني والاتصالات الحديثة.

كما أن متطلبات المرحلة المقبلة تستدعي التسريع بإيجاد أطر تنظيمية واضحة للقوات المساندة والمجموعات التي شاركت في القتال إلى جانب الجيش، بما يضمن دمج الطاقات الوطنية ضمن منظومة الدولة العسكرية والأمنية وفق ضوابط مؤسسية تحافظ على وحدة القرار العسكري واحتكار الدولة للسلاح.

إجراء أي مراجعة بشأن العقيدة العسكرية السودانية لا يعني الرغبة في خوض حروب جديدة، بل بكيفية التكيف مع بيئة أمنية متغيرة أصبحت أكثر تعقيداً وخطورة. فالدول التي تنجح في مراجعة مفاهيمها العسكرية وفق معطيات الواقع، هي الأقدر على حماية أمنها القومي، والحفاظ على استقرارها وسيادتها في عالم يشهد تحولات متسارعة في طبيعة الصراعات وأدواتها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني دروس الحرب ومستقبل الأمن القومي السوداني



GMT 22:13 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

صور غير تذكارية

GMT 22:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

رهان “الحزب” على اليمن…

GMT 22:06 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

نوم أفضل يعني جسما أرشق

GMT 22:05 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

هل نعلم أولادنا بالقسوة أم بالحب؟

GMT 21:56 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

GMT 21:50 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

السودان: فرصة الحوار

GMT 04:33 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

GMT 04:24 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التحالفات الإقليمية في مواجهة السردية الإيرانية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد
المغرب اليوم - فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 19:36 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حفلات لفرقة الطبول النوبية وفرقة حسب الله بقبة الغوري

GMT 13:59 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

كأس العالم يغيب عن المغرب في جولته العالمية

GMT 17:23 2018 السبت ,06 كانون الثاني / يناير

وزير الخارجية السعودي يلتقي وزير الخارجية الأردني

GMT 19:09 2017 الإثنين ,18 كانون الأول / ديسمبر

سفيان طلال في طريقه للانضمام إلى الإسماعيلي المصري

GMT 18:25 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

محمد صلاح يقود فريقه ليفربول للفوز على برايتون
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib