«دعاء» التي نامت أخيراً والخرطوم التي تستعيد روحها

«دعاء» التي نامت أخيراً... والخرطوم التي تستعيد روحها

المغرب اليوم -

«دعاء» التي نامت أخيراً والخرطوم التي تستعيد روحها

عثمان ميرغني
بقلم: عثمان ميرغني

 

يبقى ملف عودة النازحين واللاجئين الذين شردتهم الحرب حاضراً بقوة في نقاشات السودانيين، بوصفه من أكثر القضايا ارتباطاً بمآلات الحرب وإمكانات التعافي الوطني. وما يدعو إلى التفاؤل هو الازدياد الملحوظ في وتيرة العودة، خصوصاً من مصر التي استقبلت أعداداً كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب. فهذه العودة المتسارعة لا تعكس تحسناً نسبياً في الأوضاع الأمنية والخدمية فحسب، بل تحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن إرادة السودانيين قادرة على تجاوز آثار الدمار واستعادة الحياة رغم كل الصعوبات.

هذه النبرة المتفائلة كانت حاضرة في برنامج بثته هذا الأسبوع الخدمة العالمية لإذاعة «بي بي سي» بعنوان: «العودة إلى الخرطوم: الحرب والفقد والأمل». أحاديث المواطنين الذين التقاهم البرنامج في الخرطوم كانت مفعمة بالأمل لا اليأس، عبّروا فيها عن الفرحة وهم يشاهدون عودة الناس إلى بيوتهم ومحلاتهم، وبدء أعمال الإصلاح، واستعادة العلاقات الاجتماعية التي قطعتها الحرب.

لم تظهر الخرطوم في البرنامج بوصفها مدينة انهارت معنويات أهلها مع المباني التي تهدمت أو تضررت، بل بوصفها مدينة تحاول تضميد جراحها، واستعادة روحها رغم التحديات.

كانت قصة دعاء، الفنانة والناشطة السودانية، من أكثر القصص تأثيراً في البرنامج. فقد كانت حاملاً عندما اندلعت الحرب، لكنها قررت البقاء. تحدثت عن عامين من المعاناة الشديدة، ومن الخوف الذي لم ينته إلا مع وصول الجيش واستعادته الخرطوم من سيطرة «قوات الدعم السريع». روت ما حدث من نهب وضرب واعتداءات وجرائم اغتصاب، والخوف الذي عمّ السكان جراء ممارسات «الدعم السريع». وقالت إنها تعرف نساء لم يستطعن مغادرة منازلهن خوفاً من التعرض للاعتداء، وإن بعضهن لم يشاهدن الشارع إلا بعد دخول الجيش.

وعندما سئلت عن مشاعرها لحظة وصول الجيش قالت ببساطة شديدة: «كنا سعداء للغاية». ثم أضافت أنها لم تكن تنام ليلاً طوال عامين تقريباً، ولذلك كان أول ما فعلته بعد وصول الجيش أنها نامت طوال اليوم. إنها جملة تختصر معنى الأمان أكثر من أي خطاب سياسي.

تقول دعاء إنها الآن تحاول أن تتعلم من جديد كيف تمشي من دون خوف، وكيف تضحك وتفرح بصورة طبيعية، وتتحدث بسعادة عن طفلها الرضيع وهو يشاهد الإضاءة بعد عودة الكهرباء التي انقطعت عنهم لفترة طويلة.

أثناء استماعي إلى البرنامج مرت على بالي خاطرتان. الأولى هي ذلك الإحساس العميق بالأمان والراحة الذي كان يُعبّر عنه المدنيون في كل منطقة عاد إليها الجيش. والثانية هي تعبير العائدين عن فرحتهم البالغة، وعزيمتهم على البناء وتعمير ما دُمر.

دعاء ليست الوحيدة من شباب «ثورة ديسمبر» الذين اختاروا البقاء في بلدهم بعد اندلاع الحرب، بل هناك أيضاً من تطوع للقتال في صفوف الجيش. قصص هؤلاء تقف على النقيض من مواقف وخطاب الذين يتاجرون اليوم باسم الثورة، ويهاجمون الجيش في كل شاردة وواردة، ويسعون إلى إضعافه خدمة لأهدافهم في الصراع العدمي الذي لا يفرق بين الوطن وحمايته، وبين صراعات السياسة.

كما أن دعاء ليست استثناء عندما تحدثت عن الإحساس بالأمان في المناطق التي عادت إلى سيطرة الجيش. فما أكثر المشاهد التي رأيناها لمواطنين يُعبّرون عن فرحتهم بوصول الجيش وتحرير مناطقهم من سيطرة «الدعم السريع»، أو لطوابير من الفارين من مناطق سيطرة هذه القوات والمتجهين نحو مناطق الجيش بحثاً عن الحماية والإحساس بالأمان.

ولذلك ليس مستغرباً أن تشكلت فجوة نفسية واسعة بين غالبية السودانيين و«قوات الدعم السريع» بعد كل الانتهاكات التي ارتكبتها، والخراب الذي أحدثته إبان الحرب. وقد ظهر ذلك بوضوح في الجدل الواسع والمخاوف التي أثارها ظهور بعض الأفراد بزي «قوات الدعم السريع» في شوارع الخرطوم وأم درمان بعد انشقاق النور القبة، أحد قادتها البارزين، وانضمامه بقواته إلى صفوف الجيش. فمع إدراك دوافع الجيش في استقبال قادة منشقين من «قوات الدعم السريع» التي تزداد مظاهر تصدعها يوماً بعد آخر، إلا أن قطاعات واسعة من السودانيين لا تخفي مخاوفها من رؤية مجندي هذه القوات في العاصمة مرة أخرى، ولا تريد تكرار الخطأ الذي ارتكبه نظام الرئيس السابق عمر البشير عندما جاء بهذه القوات إلى الخرطوم ظناً منه أنها ستكون حماية له، فكانت وبالاً على نظامه وعلى السودانيين.

ما يريده السودانيون اليوم هو عاصمة خالية من السلاح والمظاهر العسكرية، ليس فقط كون ذلك من مظاهر الأمن المطلوب لتشجيع العودة، بل لأنه أحد أهم الدروس من هذه الحرب.

الحياة تعود تدريجياً إلى الخرطوم، ومعها يعود الأمل بأن السودان قادر على التعافي من آثار هذا الكابوس. هناك من دون شك أصوات تحاول بث الإحباط، أو التشكيك في جدوى العودة، لكن تأثيرها يبدو آخذاً في التراجع أمام مشاهد الناس وهم يعودون إلى بيوتهم، وأمام صمود أولئك الذين اختاروا البقاء في أصعب الظروف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«دعاء» التي نامت أخيراً والخرطوم التي تستعيد روحها «دعاء» التي نامت أخيراً والخرطوم التي تستعيد روحها



GMT 22:13 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

صور غير تذكارية

GMT 22:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

رهان “الحزب” على اليمن…

GMT 22:06 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

نوم أفضل يعني جسما أرشق

GMT 22:05 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

هل نعلم أولادنا بالقسوة أم بالحب؟

GMT 21:56 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

GMT 21:50 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

السودان: فرصة الحوار

GMT 04:33 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

GMT 04:24 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التحالفات الإقليمية في مواجهة السردية الإيرانية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد
المغرب اليوم - فحص جديد بالذكاء الاصطناعي للكشف عن سرطان الجلد

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 19:36 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حفلات لفرقة الطبول النوبية وفرقة حسب الله بقبة الغوري

GMT 13:59 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

كأس العالم يغيب عن المغرب في جولته العالمية

GMT 17:23 2018 السبت ,06 كانون الثاني / يناير

وزير الخارجية السعودي يلتقي وزير الخارجية الأردني

GMT 19:09 2017 الإثنين ,18 كانون الأول / ديسمبر

سفيان طلال في طريقه للانضمام إلى الإسماعيلي المصري

GMT 18:25 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

محمد صلاح يقود فريقه ليفربول للفوز على برايتون
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib