على مائدة الفراعنة

على مائدة الفراعنة

المغرب اليوم -

على مائدة الفراعنة

زاهي حواس
بقلم - زاهي حواس

من أكثر الأسئلة التي توجَّه لي في محاضراتي العامة في كل بلد أسافر إليه؛ سؤال: كيف بُنيت الأهرامات؟ يليه سؤال: ماذا كان يأكل الفراعنة؟!

إن الأكل وأنواع الطعام من الأمور التي يهتم بها كثير من شعوب العالم، ولهم فيها طقوس وآداب؛ بل هناك ملايين الكتب عن الطعام والطبخ، وملايين القنوات التلفزيونية، وقنوات على وسائل التواصل الاجتماعي مخصصة للطعام وفنون الطبخ!

وبالنسبة إلى الفراعنة، كان الطعام من مُتع الحياة التي تعني اجتماع الأسرة، وولائم الأقارب والمعارف؛ بل والأصدقاء.

ومن أطرف مناظر الولائم المصورة على جدران مقابر البر الغربي في الأقصر، نرى صاحب الوليمة وقد وجَّه الدعوة إلى جيرانه وأصدقائه. كان الطعام من ضروريات الحياة؛ لكن الفراعنة حولوه إلى مصدر للبهجة والسعادة.

والحديث عن أنواع الطعام في عصر الفراعنة يحتاج إلى مجلدات لتغطيته ووفائه حقه من الشرح والتبيان. ويكفي أن نذكر أن هناك عشرات من الرسائل العلمية لنيل درجات الماجستير والدكتوراه من جامعات مختلفة حول العالم؛ خُصصت لدراسة الخبز وأنواعه عند الفراعنة! ولا عجب في ذلك، فالفراعنة هم أول من أطلق على الخبز تسمية «عيش» التي لا تزال مستخدمة في مصر إلى اليوم، فيقول المصريون: «رغيف العيش» بدلاً من «رغيف الخبز».

ولقد أبدع الخباز الفرعوني في اختراع عشرات الأنواع من الخبز والفطائر المحلاة بعسل النحل، والمحشوَّة بالتمر والتين والزبيب!

نعم، استمتع الفراعنة بأكل الخبز والفطائر بكل أنواعها. وتكفي زيارة مقابر الدولة القديمة بسقارة لترى بعينك مناظر المخابز، وأنواع الخبز والفطائر المصورة على جدران المقابر، ولكل نوع اسم محدد.

وكان المتوفَّى في مصر القديمة يحرص على طلب ألف رغيف خبز من كل نوع، وألف فطيرة محلاة من كل نوع، وذلك ضمن قوائم القرابين المسجلة على جدران المقبرة. وإلى اليوم في مصر، تجد المصريين عند زيارة المقابر يوزعون الخبز والفطائر، وتسمَّى «القُرَص» بضم القاف وفتح الراء.

وبعيداً عن المخبوزات، نجد الفراعنة هم أساتذة العالم القديم في إعداد الأسماك. وكان الله قد أنعم عليهم بنهر وفير بأسماكه، والتي تعددت أنواعها لتصل إلى 32 نوعاً مختلفاً من السمك، يملأ نهر النيل والترع والقنوات. مياه نظيفة تصلح للشرب، لا ملوثات كيميائية، تجري طوال العام، ويجددها فيضان وفير يفيض بالخير والخصوبة على الأراضي الزراعية، ليجعل من مصر واحة كبيرة خضراء وسط صحراء قاحلة.

وكان المصريون القدماء يعشقون السمك المشوي بكل أنواعه، وهم من اخترعوا السمك المجفف، والفسيخ، والملوحة، وغيرها من الأسماك المملحة، والتي كانوا يأكلونها مع البصل الأخضر الطازج، والخبز الطري الطازج.

فهل اكتفى المصريون بأسماك النهر؟ بالطبع الإجابة لا! لقد عرفوا صيد أسماك البحر الأحمر؛ بل وسجلوا أنواعه المختلفة على جدران معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري بالأقصر. وكانت هناك مدن وقرى فرعونية تقيم بجوار مواني البحر الأحمر الفرعونية، ومناجم الذهب الموجودة بالقرب من البحر الأحمر، وهؤلاء اعتمدوا بشكل كبير على أسماك البحر التي عرفت طريقها إلى مدن الوادي بالصعيد والدلتا، على شكل أسماك مجففة.

نأتي إلى اللحوم، ونكتفي بأن نذكر أن الفراعنة عشقوا لحوم الأبقار؛ خصوصاً الثيران الصغيرة، وكذلك لحوم الضأن، ولحم الغزال المصري الصحراوي، ولحوم الأيائل الصحراوية، وعرفوا لحم الأرانب، ولحم الطيور من أنواع مختلفة من البط والإوز، سواء المستأنس والبري.

ولم يعرف الفراعنة الدجاج سوى في عصر الملك تحتمس الثالث الذي أحضره معه من سوريا، فكانت المرة الأولى التي يرى فيها المصريون الدجاج.

ولا ننسى أن الفراعنة كانوا أساتذة في تربية النحل، وعمل المناحل لإنتاج العسل النقي الذي عُثر عليه بمقابرهم.

وأخيراً، فالحديث عن الخضراوات الطازجة وأنواع الفاكهة التي زرعها الفراعنة واستساغوا مذاقها يطول، ويحتاج إلى مقالات؛ بل مؤلفات. لقد عُثر على إناء كبير من الفخار في المدينة الذهبية التي كُشف عنها في الأقصر منذ سنوات، وعلى الإناء نقش يوضح أنه كان مخصصاً لإعداد طبق من اللحم البقري مع الخضراوات الطازجة.

كان الفراعنة يعشقون التين، والعنب بأنواعه، والتمور، والرمان، والجميز، والتوت، والخس، والبصل، والثوم، والقثاء، والباذنجان، والحبوب وأشهرها العدس والفول. كانت المائدة الفرعونية عامرة بخيرات أرض مصر ونيلها وبحارها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

على مائدة الفراعنة على مائدة الفراعنة



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:01 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

مرق العظام يُساعد على تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية

GMT 04:03 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

السلطة الفلسطينية تدرس إعلان أراضيها دولة تحت الاحتلال

GMT 00:38 2013 الجمعة ,01 آذار/ مارس

"دبي الإسلامي" يعرض الاستحواذ على "تمويل"

GMT 21:58 2021 السبت ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

شرط واحد يفصل أوناجم للعودة إلى أحضان الوداد الرياضي

GMT 01:53 2018 الخميس ,20 أيلول / سبتمبر

مكسيم خليل يبيّن أن "كوما" يعبر عن واقع المجتمع

GMT 07:03 2018 الأربعاء ,24 كانون الثاني / يناير

نجم مولودية الجزائر يُؤكّد قدرة الفريق على الفوز بالدوري

GMT 19:21 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

فتح الناظور يتعاقد مع المدرب المغربي عبد السلام الغريسي

GMT 13:29 2017 الأحد ,26 آذار/ مارس

طرق تجويد التعليم
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib