السؤال هو صانع الحضارة

السؤال هو صانع الحضارة

المغرب اليوم -

السؤال هو صانع الحضارة

بقلم : خالد منتصر

«أفضل أن تكون لديّ أسئلة لا أجد لها إجابات، على أن تكون لديّ إجابات لا يجوز التشكيك فيها»، مقولة من أجمل مقولات العالم الفيزيائي ريتشارد فاينمان، أعجبتني لأنها تلخص مفتاح التحضر والحداثة، فالبشرية لم تتقدم لأنها امتلكت اليقين، بل لأنها امتلكت الشجاعة لكي تشك في يقينها، كل قفزة كبرى في تاريخ المعرفة بدأت تقريباً بجملة بسيطة ومزعجة: «ماذا لو كنا خاطئين؟»، كان من اليقين أن الأرض مركز الكون، وأن المرض عقاب أو أرواح شريرة، وأن قرحة المعدة نتيجة التوتر، وأن القارات ثابتة لا تتحرك، ثم جاء الشك، لا بوصفه مرضاً فكرياً، وإنما باعتباره مفتاحاً لباب مغلق، عبّر فرنسيس بيكون عن تلك المفارقة بعبارة بليغة: «إذا بدأ الإنسان باليقين، انتهى إلى الشك، وإذا رضى بأن يبدأ بالشك، انتهى إلى اليقين».

فالشك هنا ليس إنكاراً للحقيقة، وإنما رفض لمنح أي فكرة حصانة ضد السؤال، ولهذا جعل «ديكارت» الشك المنهجي نقطة انطلاق للتفكير، داعياً الباحث عن الحقيقة إلى أن يشك، ولو مرة، في الأشياء التي اعتاد اعتبارها مسلّمات، أما برتراند راسل فحذّر من مرض أخطر من الجهل، هو الثقة المفرطة، حين لاحظ أن مشكلة العالم تكمن في أن الحمقى والمتعصبين شديدو اليقين، بينما الأذكياء ممتلئون بالشكوك.

فالعقل كلما اتسعت معرفته، ازداد إدراكاً لاتساع مساحة ما يجهله، وفي العلم يصبح الشك ضرورة مهنية، لا ترفاً ولهواً، وكما كان ريتشارد فاينمان يرى أن الأسئلة التي لا نعرف إجاباتها أفضل من الإجابات التي لا يجوز لأحد التشكيك فيها، فإن كارل بوبر بنى فلسفته العلمية على الفكرة نفسها، النظرية العلمية لا تكتسب عظمتها لأنها محصنة من الخطأ، بل لأنها تقبل الاختبار والتفنيد والتصحيح.

ويلخص مارك توين المأزق الإنساني بعبارة لاذعة: «ليست المشكلة فيما لا نعرفه، وإنما فيما نعرفه يقيناً بينما يكون غير صحيح»، أما توماس هكسلي فطالبنا بأن نجلس أمام الحقيقة كالأطفال، مستعدين للتخلي عن كل فكرة مسبقة إذا قادتنا الأدلة إلى غيرها، الحضارة إذن ليست تاريخ الإجابات بقدر ما هي تاريخ الأسئلة.

العالم الحقيقي لا يقول: «لقد وصلت إلى الحقيقة الأخيرة»، بل يقول: «هذا أفضل ما تقوله الأدلة حتى الآن»، فالشك الذي يبحث عن الدليل ليس ضعفاً، واليقين الذي يخاف السؤال ليس قوة، الشك يفتح النافذة، أما اليقين المطلق فيغلقها ثم يقنعنا بأن الغرفة هي الكون كله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السؤال هو صانع الحضارة السؤال هو صانع الحضارة



GMT 14:27 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... حلول يائسة في أوقات عصيبة

GMT 14:26 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

العراق ما بعد الأميركيين... اختبار الدولة والسلاح

GMT 14:24 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

منى زكي في وش المدفع!!

GMT 14:22 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

المعادي.. وجامعة الدول

GMT 14:21 2026 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو.. ٤٤ دقيقة من الكذب التاريخى

GMT 18:44 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

الساق على السياق

GMT 18:26 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

الشيوعي والشيخ والسيّد

GMT 18:20 2026 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

الفيللر والتخصص والعمى

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس - المغرب اليوم

GMT 17:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 16:12 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

مصطفى محمد يعود إلى نانت ويتدرب منفردا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib