النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية

النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية

المغرب اليوم -

النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية

خالد منتصر
بقلم - خالد منتصر

فى طفولتى وأثناء الإجازة الصيفية، كنت أستمع إلى المدائح النبوية خلال زيارتى لقرية أبى وأمى فى دمياط، كانت فرق المداحين معظمها من قرى الدقهلية، كانت معظمها تضفى خوارق ومعجزات ومبالغات يعجز عن استيعابها عقلى الصغير، وبعد أن كبرت عجز أيضاً عن قبولها، وللأسف كانت كتابات معظم المشايخ تصب فى نفس الاتجاه، إلى أن بدأت فى قراءة السيرة من خلال كبار المثقفين الذين هم خارج المؤسسة الدينية، ولا ينتمون للأزهر، ووجدت فيها رؤية جديدة.

وزوايا نظر متفردة، قرأت ما كتبه طه حسين والعقاد وهيكل والشرقاوى وتوفيق الحكيم، على فترات متباعدة، لكن تلك القراءات لم يربطها فى ذهنى خيط فكرى، يضمهم معاً فى رؤية متماسكة منسجمة، إلى أن وجدت كتاب الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، الذى استطاع أن يقدم لى هذا الربط وذلك الانسجام من خلال قلمه الفنى والفكرى البارع، وتناوله الشيق الجذاب فى كتابه «محمد وهؤلاء»، الذى أعادت إصداره دار «كلمة»، التى أضافت بالفعل إلى المكتبة المصرية والعربية عناوين تنويرية تستحق الرصد والوقوف عندها، مقدمة الأستاذ حجازى لا تجعل تلك المقالات جزراً متناثرة، أو نتف سحاب متناثرة فى الهواء، ولكنه يربط بينها وبين حركة هؤلاء المثقفين كباحثين عن الهوية الثقافية، وأيضاً كرد فعل على بعض الكتابات الغربية التى قدمت سيرة النبى محمد بشكل ظالم ومجحف وعدائى، يقوم حجازى من خلال الوقوف على أرضية كل كاتب من هؤلاء بعملية تشريح دقيقة لزاوية نظر كل منهم، حسين هيكل وتأثره بأفكار الثورة البورجوازية الفرنسية، وطه حسين الذى عندما كتب طبق نظريته الخاصة بحضارة البحر الأبيض.

وعباس العقاد الذى وجد فيها مجالاً للتعبير عن موقفه من البطولة أو العبقرية الفردية، وتوفيق الحكيم عالجها فى حدود موقفه الفنى الخالص، وأخيراً يأتى الشرقاوى الواقعى الذى يدين بأفكار الثورة الاشتراكية ليجد فى السيرة ما يساند موقفه، ويتلاءم مع معتقداته، وعبقرية الأستاذ عبد المعطى حجازى وتفرده فى هذا الكتاب أنه قد جعله مقالات فى سيرة الفكر العربى المعاصر من خلال تناول السيرة، انشغل د. هيكل فى كتابه عن حياة محمد بسؤال: هل يمكن أن تكون النبوة بغير خوارق؟، ولماذا لا يكون العقل هو سلاح المسلم فى إثبات نبوة النبى وتثبيت الإيمان برسالته؟، هذا كان مدخل العائد من باريس بالدكتوراه فى القانون، والمتشبع بثقافتها العقلية العلمانية، تحدث عن نشأة البادية التى لا قيود فيها على الروح، ويتأمل فى السيرة من خلال العقل وتفنيد الخوارق.

فيضعف قصة شق الصدر، وكسوف الشمس يوم موت إبراهيم ابن النبى، وينحاز إلى أن الإسراء والمعراج كان بالروح لا الجسد، ثم بعدها يرد على ما زعمه المستشرقون من أخطاء محمدية مثل حادثة الغرانيق، والإسراف فى المتعة الجسدية.. إلخ، أما طه حسين فقد اختلف عنده السؤال، صار ما معنى الإسلام للمجتمعات الأخرى المعاصرة لمحمد؟، حاول الإجابة فى كتابه «على هامش السيرة»، الكتاب ليس تاريخاً علمياً لحياة النبى كما نجد عند هيكل، وإنما هو عمل أدبى يستلهم السيرة، والهدف منه أن يكون استفزازاً وتحفيزاً للآخرين لنفس النوع من الكتابة، ومقدمة لمحاولات أخرى متعددة فى استلهام الأدب العربى القديم، وإعادة صياغته شعراً ونثراً، كما فعل الأوربيون بأدب اليونان واللاتين.

وأعتقد أن محاولته نجحت، واستفزت توفيق الحكيم فى مسرحة هذا التراث، وتناول السيرة بالقلب لا العقل، هى لم تكن مسرحية بالمعنى الدرامى، وإنما هى سيرة حوارية، أما العقاد فهو الوحيد من بين هؤلاء الذى أثبت أوصاف النبى، واهتم بصورته المادية، ويرى أن معجزته هى فى ملكاته النفسية وطبيعته التى فطر عليها، ابتعد عبد الرحمن الشرقاوى عن الأوصاف المادية، وتحدث عن محمد كزعيم ثورى للفقراء، تكلم عن ظروف الإنتاج الطبقية فى المدينة، واحتكار اليهود لرأس المال هناك، كتابه «محمد رسول الحرية» لذلك هو الوحيد الذى ذكر أبا ذر الغفارى بكل ما يحمله من ثورية اشتراكية من وجهة نظره.

كانت تلك نظرة سريعة على كتاب مهم، اكتسب أهميته من خلال الشخصية المتفردة المكتوب عنها، ومن خلال القامات التى تناولت تلك الشخصية بالتحليل والقراءة، وأيضاً من خلال الوسيط الشاعر الذى قرأ هؤلاء ودمجهم بتاريخ الفكر العربى فى تلك الفترة، واستطاع تقديم مثل هذا المنتج الثقافى العظيم على شكل كتاب صغير الحجم، كبير القيمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية النبى بعيون خارج المؤسسة الدينية



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 08:27 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:03 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 26-9-2020

GMT 16:23 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 10:45 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

ليلي علوي تلتقي الفنان وليد توفيق في الكويت

GMT 12:48 2016 الخميس ,21 إبريل / نيسان

هل ينتهي الحب بعد الـ 3 سنوات الأولى !

GMT 01:03 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

أحمد خليل يُعرب عن سعادته بنجاح "رسايل" و"كإنه إمبارح"

GMT 09:47 2018 الخميس ,04 كانون الثاني / يناير

أسبتب تدشبن مباراة المغرب والكامرون بدون جمهور

GMT 22:35 2023 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

الزلزال السياسي بين الرباط وباريس قد يستمر طويلاً

GMT 17:28 2022 الجمعة ,07 كانون الثاني / يناير

لودريان يُرحّب بعودة السفير الجزائري إلى باريس

GMT 16:38 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الحوت" في كانون الأول 2019
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib