بقلم : خالد منتصر
من أين أتى هذا الرقم المذكور فى العنوان، والذى ظل بديهية لا تقبل الشك لمدة طويلة؟، أشهر من أكد على صحة هذا الرقم هو الأسقف الأيرلندى جيمس أَشَر James Ussher فى القرن السابع عشر، فى كتابه حوليات العهد القديم الصادر سنة ١٦٥٠، جمع أعمار الأنبياء والآباء وتسلسل الأنساب الوارد فى العهد القديم، ثم حسب الفترات بين آدم والأحداث التاريخية المعروفة، وانتهى إلى أن خلق العالم بدأ سنة ٤٠٠٤ قبل الميلاد، ولأن آدم، وفق القراءة الحرفية لسفر التكوين، خُلق فى اليوم السادس،
أصبح عمر الإنسان عنده مقاربًا لعمر الأرض، نحو ستة آلاف سنة، لكن أَشَر لم يكن أول من حاول هذا الحساب؛ فقد وضع علماء دين يهود ومسيحيون قبله وبعده تواريخ مختلفة، اعتمادًا على نسخ وترجمات مختلفة للكتاب المقدس، ستة آلاف سنة ليست نتيجة اكتشاف أثرى أو قياس علمى، بل نتيجة جمع حسابى لأنساب دينية فُسرت تفسيرًا حرفيًا، وهى تختلف جذريًا عن المنهج العلمى الذى يعتمد على التأريخ الإشعاعى للصخور والحفريات، ودراسة الطبقات الجيولوجية، وتحليل العظام والأسنان والأدوات الأثرية، والمقارنة الجينية بين البشر، وعدة طرق مستقلة تتفق نتائجها معًا، وتدل الأدلة العلمية حاليًا على أن الإنسان العاقل موجود منذ نحو ٣٠٠ ألف سنة، وجنس الإنسان Homo ظهر منذ نحو ٢.٨ مليون سنة، وأسلافنا من أشباه البشر أقدم من ستة إلى سبعة ملايين سنة،
والأرض عمرها ٤.٥٤ مليار سنة، أما الكون فعمره كما ذكرنا فى مقال سابق ١٣.٨ مليار سنة، وشرحنا كيفية القياس، وسنحاول فى هذا المقال أن نشرح كيف تم قياس عمر الإنسان العاقل. يقول العلماء إن الإنسان العاقل ظهر منذ نحو ٣٠٠ ألف سنة، وهذا لا يعنى أنهم عثروا على أول رجل أو امرأة من نوعنا، ولا أن الإنسان العاقل وُلد فجأة فى يوم محدد، فالتطور عملية بطيئة، تتغير خلالها الصفات جيلًا بعد جيل، أما رقم ٣٠٠ ألف سنة فهو عمر أقدم حفريات معروفة حتى الآن تحمل مجموعة واضحة من صفات نوعنا، Homo sapiens، بدأت القصة المهمة فى موقع «جبل إيغود» بالمغرب،
حيث عُثر على جماجم وعظام بشرية وأدوات حجرية، فى البداية ظن الباحثون أن عمرها نحو ٤٠ ألف سنة، لكن حفريات ودراسات أحدث كشفت أنها أقدم كثيرًا، وهنا واجه العلماء سؤالين منفصلين: هل هذه البقايا تخص الإنسان العاقل فعلًا؟ وكم يبلغ عمرها؟، للإجابة عن السؤال الأول، فحص العلماء شكل الجمجمة والوجه والأسنان، وجدوا أن الوجه صغير ومسطح نسبيًا، والأسنان قريبة من شكل أسنان الإنسان الحديث،
لكن الجزء الخلفى من الجمجمة كان أكثر استطالة من جمجمتنا الحالية، هذا المزيج مهم؛ فهو يكشف أن صفات الإنسان العاقل لم تظهر دفعة واحدة، بل تكونت مثل لوحة تكتمل قطعة بعد أخرى، ظهر الوجه الحديث أولًا، بينما احتاج شكل الدماغ والجمجمة إلى وقت أطول ليصلا إلى صورتهما الحالية، أما العمر، فلم يُقَس بالكربون المشع؛ لأن الكربون-١٤ يصلح عادةً حتى نحو ٥٠ ألف سنة فقط. بعد ذلك تصبح الكمية المتبقية منه ضئيلة للغاية، لذلك استخدم العلماء طريقة تسمى «التألق الحرارى» لفحص قطع صوان احترقت فى نار أشعلها البشر القدامى، عندما تُسخَّن قطعة الصوان بقوة، تُصفَّر ساعتها الطبيعية تقريبًا، وبعد أن تبرد وتُدفن، تبدأ الطاقة الناتجة من الإشعاع الطبيعى المحيط بها فى التراكم داخل بلوراتها، وفى المختبر يعيد العلماء تسخينها،
فتطلق هذه الطاقة فى صورة ضوء خافت، وكلما زاد الضوء، دلّ ذلك على مرور زمن أطول منذ آخر مرة تعرضت فيها للنار، أظهرت القياسات أن عمر الأدوات المحروقة يقارب ٣١٥ ألف سنة، بهامش خطأ يبلغ عدة عشرات الآلاف من السنين، واستخدم الباحثون أيضًا طرقًا أخرى لفحص الأسنان والرواسب المحيطة، مثل سلاسل اليورانيوم والرنين المغزلى الإلكترونى، فجاءت النتائج متقاربة، كما قارنوها بحفريات أفريقية أخرى، مثل أومو فى إثيوبيا، التى يزيد عمرها على ٢٣٠ ألف سنة، وهيرتو التى يبلغ عمرها نحو ١٦٠ ألف سنة، وتساعد الدراسات الجينية بدورها على تتبع القرابة بين البشر وحساب زمن عيش أسلافهم المشتركين، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد لحظة ظهور أول إنسان عاقل، فالجينات والحفريات والتأريخ الجيولوجى أدلة يكمل بعضها بعضًا، إذن، رقم ٣٠٠ ألف سنة ليس تخمينًا ولا تاريخ ميلاد ثابتًا،
بل أفضل استنتاج حالى من العظام والأسنان والأدوات المحروقة والطبقات الجيولوجية، وقد يتغير إذا عثر العلماء غدًا على حفريات أقدم؛ فميزة العلم أنه يصحح خريطته كلما ظهرت قطعة جديدة من فزورة الماضى.