السيمفونية الأخيرة

السيمفونية الأخيرة

المغرب اليوم -

السيمفونية الأخيرة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

أن تراهن فى تلك الرواية على مجرد المتعة الفنية فقط، فأنت حتمًا خاسر، فهى بالطبع ستمتعك فنيًا كما أمتعتنى، لكنها فى الأساس ستفتح لك صندوق باندورا الأسطورى الإغريقى الذى ستشاهد انطلاقة كل الشرور من قاعه وجدرانه، ستفرك عينيك مع كل صفحة صارخًا: هل عشت كل هذا العبث الشرير كمتفرج، كمتآلف، كمنسجم بل كمتواطئ؟، صدمة أن ترى عفن السلطة وطحالبها تطفو على السطح أمامك، وأنت قد كنت سباحًا فى تلك البركة الآسنة الدافئة، رواية «السيمفونية الأخيرة» للروائى أشرف العشماوى والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، هى رواية كافكاوية بامتياز، أجواء المحاكمة والمسخ، ولكنها بنكهة مصرية متفردة، تتجاوز مرحلة العبث إلى الكابوس، ولكن البناء الروائى المحكم، والتصاعد الملىء بـ«التويستات» بلغة السينما، منحا هذا الكابوس إيقاعًا لاهثًا، يجعلك تلتهم تلك الرواية فى جلسة واحدة، القاضى أشرف العشماوى وهو يكتب خالعًا روب القاضى، لم يتخل عن دقة التفاصيل وإحكام النسيج، الرواية تبدأ بمشهد لن يتم فك شفرته إلا فى آخر فصل، عازف كمان مصرى بارع يعزف فى باريس، وفى الصف الأول عينان تعريانه، وتبثان فى أوصاله الرعب، ومن خلال القطع يتكشف لك فصل بعد فصل، جوانب تلك التراجيديا،

وتفسير تلك النظرات، وسبب الشجن الذى يقطر من قوس الكمان النادم وهو يذبح الأوتار المستسلمة لقدرها الإغريقى، اختيار بطل الرواية يفتح أمامك صراعًا داخليًا وخارجيًا، موظف مراسم الرئاسة الذى عمل مع السادات ومبارك، والذى يعشق الموسيقى بجنون، لدرجة أنه يتسلل كل ثلاثاء باسم مستعار للعزف فى مسرح الجمهورية، له خلفية سيكوباتية يشير إليها الكاتب فى طفولته، من خلال مباغتته للحمام وخنقه، شخصية ربتها الجدة على الانسحاق، وفى نفس الوقت دخل كلية الشرطة، ضربة حظ بعد زواجه من رجل قريب من السادات، نقلته إلى المراسم، صراع آخر بين برود حياته الزوجية، وسخونة وحميمية قصته مع عشيقته المترجمة، إلى جانب تلك الصراعات الداخلية التى جعلت مصيره يتشكل بواسطة يد أخرى تعجن صلصاله الإنسانى، كانت هناك صراعات السلطة التى كانت تشكل مصيره الوظيفى، الذى جعله فى النهاية ينتقل من المراسم إلى أمن الدولة، كيف انتقل؟، ستكتشفها فى الرواية، وتجد نفسك متوقعًا ومندهشًا فى نفس الوقت، لكنك فى الحالتين تترقب ماذا سيفعل هذا السيكوباتى، يلتحم الصراعان، لنجد مأساة أخرى يتم طبخها الشيطانى على مهل فى أقبية زنازين أمن الدولة، تفاصيل دموية، تحتار معها، هل سامى عرفان الضابط التشريفاتى الموسيقار، مجرم أم ضحية؟، فى الخلفية جدارية عبثية أخرى من فساد ومسخرة السلطة، كوميديا سوداء، يمثل فيها عملاء مأجورون دورًا فى مسرحية الزيارات المفاجئة للسادات ومبارك، ويتآمر فيها موظفو الديوان على بعضهم البعض، ويكتب فيها من بأيديهم المقدرات أن كل شىء تمام، وتحت السيطرة، وهم يجهلون أنهم يكتبون تلك التقارير وهم جالسون على صناديق ديناميت، وبرغم هذه القسوة فى مسيرة سامى، إلا أن نهايته كانت ناعمة، غامضة، فيها من دراما الفن أكثر من دموية الانتقام، تعمدت ألا أحرق أحداث الرواية وتفاصيلها المشتبكة المتشعبة، لكنى حاولت أن أنفذ إلى عمق رواية تحت سطحها الظاهر بركان يفور، تربط معه عند اقتحامك حزام الأمان، حيث لا أمان مع إهدار كرامة الإنسان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السيمفونية الأخيرة السيمفونية الأخيرة



GMT 08:52 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

كتاب المسؤولية يقول

GMT 00:19 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

ضحية الأب

GMT 00:17 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

قصتى مع الكتب!

GMT 00:15 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مرة أخرى: المسئولية الإقليمية لمصر !

GMT 00:13 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

دواعش الغرب... مشكلته

GMT 00:12 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مجنون أفريقيا الرهيب

GMT 00:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

GMT 00:10 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

نهاية «ستارت 3»... عالم بلا حدود نووية

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 23:44 2017 السبت ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

"ميشال فاضل يتألّق في مدينة "الملك عبدالله الإقتصادية

GMT 13:55 2021 السبت ,16 تشرين الأول / أكتوبر

شركة اسرائيلية تنقب عن النفط والغاز الطبيعي في الداخلة

GMT 18:00 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

نقابة المهن التمثيلية تنفي شائعة وفاة أشرف عبدالباقي

GMT 04:34 2013 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية تعلن إنهاء إجراءات سفر أكثر من 56 ألف أجنبي مخالف

GMT 05:06 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

أسوأ الأحذية التي يجب عدم ارتدائها مع الجينز

GMT 07:27 2018 الثلاثاء ,17 تموز / يوليو

عودة "الشباشب العصرية" من جديد إلى منصّات الموضة

GMT 04:43 2018 الخميس ,28 حزيران / يونيو

اهتراء شبكة التوزيع يحرق أسلاك الكهرباء في وزان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib