بقلم : خالد منتصر
فى خضم كلامنا عن السمنة، ومع كم الفيديوهات التى تتحدث عن البدين والتخين، وضرورة أن «يخس»، ننسى أو نتناسى الخيط الرفيع بين النصيحة وبين التنمر والسخرية وإهدار الكرامة، حتى الأطباء فى أحيان كثيرة لا يعرفون ولا يجيدون تلك النصيحة، وكيفية صياغتها بحيث لا تحطم مريضه وتدخله فى دائرة الإحباط، هناك بالطبع مخاطر صحية متعلقة بالسمنة، لكن حلها ليس بتلك السهولة الأتوماتيكية، احذف سعرات تخس، المسألة أكثر تعقيداً.
ومن هنا جاءت أهمية كتاب «ما عليك إلا أن تنقص وزنك»، وعنوان جانبى ١٩ خرافة أخرى عن الأشخاص ذوى الأجسام الكبيرة، تأليف أوبرى جوردون، هو كتاب خارج السياق العام المعتاد، يسبح ضد التيار السائد المنتشر عبر الريلز والفيديوهات، الكتاب ضد الفكرة السائدة التى نتبناها بحكم الإلحاح، وهو تحويل الإنسان إلى مجرد رقم على ميزان!، فللأسف عندما يدخل مريض إلى العيادة يشكو ألمًا أو عرضًا جديدًا، قد يختزل الطبيب كل ما يقوله فى وزنه، لا تنكر جوردون حق الطبيب فى مناقشة الوزن، اعتراضها على أن تصبح السمنة تفسيرًا جاهزًا قبل الاستماع والفحص، وهى تبيّن كيف يمكن للأحكام المسبقة أن تجعل طلب الرعاية تجربة مُهينة، وأن تدفع بعض الناس إلى تأجيلها، والهروب منها، تفكك جوردون الفكرة الأخلاقية المختبئة داخل عبارة «فقط اخسر وزنك»، وهى أن حجم الجسد يكشف مقدار انضباط صاحبه، وأن من لم ينجح فى إنقاصه لم يحاول بما يكفى، هذا التبسيط مريح لمن يقوله، لكنه لا يفسر تعقيد السمنة ولا صعوبة الحفاظ على فقدان الوزن لدى كثيرين.
ولا يجعلك تحس بمعاناة البدين وهو يستمع ويحاول ويفشل وأحياناً يبكى من الإحباط، أفضل ما يفعله الكتاب أنه يجبرنا على التمييز بين النصيحة الطبية وإصدار حكم على شخصية المريض، عندما تقرأ الكتاب لا بد أن تحتفظ دائماً بمسافة نقدية، فالدفاع عن كرامة الأشخاص ذوى الوزن المرتفع لا يُلغى المخاطر الصحية المرتبطة بالسمنة، كما أن الاعتراف بهذه المخاطر لا يبرر الوصم، تصف منظمة الصحة العالمية السمنة بأنها حالة مزمنة معقدة تتداخل فيها العوامل الوراثية والعصبية والسلوكية والبيئية، وتدعو إلى رعاية تشمل تقييم عوامل الخطر والعلاج المناسب لكل شخص، هكذا تكتمل الصورة، وهكذا يجب أن تكون قراءتك للكتاب، خذ المرض بجدية، لكن الأهم أن تأخذ المريض بجدية أكبر، الكتاب من الممكن أن يشوهه التلخيص ولا يعطيه حقه، لكنى سأعرض سريعاً بعض ما تعتبره جوردون من ضمن الـ١٩ خرافة، من ضمن الخرافات «أنا أخاف زيادة وزنى.
لكننى لا أعامل البدناء بصورة مختلفة»، ترى أن الخوف الشديد من التشبه بفئة معينة قد يكشف ضمنًا عن نظرة دونية إليها، وقد لا يتعمد الشخص الإساءة، لكن تكرار عبارات مثل «أشعر بأننى سمين ومقزز» أمام شخص بدين يربط جسمه تلقائيًا بالفشل والقبح، المطلوب فحص المعايير التى صنعت هذا الخوف، لا لوم صاحبه على مشاعره، وهناك خرافة أن «تقبُّل البدناء يشجع السمنة»، تفرّق جوردون بين احترام الإنسان والدعوة إلى اكتساب الوزن، المطالبة بمقعد مناسب، ورعاية صحية جيدة، وحماية من التنمر، كل هذا لا يعنى وصف السمنة بأنها هدف صحى، مثلما لا يعنى الدفاع عن حقوق المريض تمجيد المرض.
وخرافة أنه «على البدين دفع ثمن مقعد ثانٍ فى الطائرة»، المؤلفة ترى أن شركات الطيران تقلص عرض المقاعد ثم تحمل الراكب وحده تكلفة تصميمها التجارى، وقد يدفع مقابل مقعدين ثم لا يُضمن أن يكونا متجاورين، أو يُعاد بيع أحدهما، الحل فى رأيها سياسات واضحة ومقاعد متاحة لمختلف الأجسام، لا إذلال المسافر عند بوابة الطائرة، هذه مجرد أمثلة على الخرافات التى يفندها الكتاب، هو حقاً كتاب يغرد خارج السرب، ولكنه يتعامل مع البدين كإنسان، وليس مؤشر ميزان، أو شريط مقاس لمحيط الخصر.