مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

مدافع نافارون… ومضيق هرمز: حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

المغرب اليوم -

مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

بقلم - محمد الرميحي

في رواية "مدافع نافارون"، وهي رواية متخيلة من خلال أحداث الحرب العالمية الثانية حُوّلت إلى فيلم مشوق، عبارة عن مدفعين ضخمين على خليج ضيق (متخيل في الجزر اليونانية) حوصرت فيه كتيبة للحلفاء، ولم يكن بالإمكان إنقاذهم إلا بتدمير تلك المدافع المحصنة، وإلا تعرضوا للفناء. وتعرض الرواية (الفيلم) قصة ذلك التدمير الشجاعة، والمُشاهد يحبس أنفاسه. لم يكن التفوق الألماني قائماً على كثرة الجنود أو اتساع الانتشار، بل على فكرة أبسط، وضع سلاح حاسم في موقع حاكم.

مدفعان فقط، لكنهما في المكان الصحيح، استطاعا أن يشلا حركة أسطول كامل، ويمنعا عملية إنقاذ واسعة. تلك الفكرة المتخيلة أدبياً تحولت مع الزمن إلى أحد أهم مفاهيم التفكير العسكري الحديث: ليست القوة في حجمها، بل في موضعها.

اليوم، لا تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الواقع، بل تكاد تتجسد حرفياً في مضيق هرمز. ذلك الممر الضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، ونصف تقريباً المخصبات الزراعية، أصبح أقرب إلى "نافارون" حقيقية، لا مدافع فيها بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة من الأدوات، صواريخ ساحلية، زوارق سريعة، ألغام بحرية، وطائرات مسيّرة. أدوات قد تبدو متفرقة، لكنها حين توضع في هذا الموقع الجغرافي بالذات، تتحول إلى قوة تعطيل هائلة.

إيران، التي تدرك محدودية قدرتها على خوض مواجهة تقليدية مفتوحة مع قوى كبرى، طورت عبر السنوات ما يمكن تسميته "استراتيجية نافارون"، تعظيم الأثر بأدوات محدودة عبر السيطرة على نقطة اختناق لشريان عالمي. هي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعلياً بشكل دائم، يكفي أن تخلق تهديداً جدياً بإغلاقه، أو أن تنفذ ضربات متقطعة تربك حركة الملاحة، ليتحول الخوف ذاته إلى أداة ردع.

لكن، كما في الرواية، فإن كل نقطة قوة مركّزة تحمل في داخلها نقطة ضعف مركّزة. مدافع نافارون كانت قادرة على السيطرة على البحر، لكنها كانت ثابتة، معروفة الموقع، وقابلة للتدمير عبر عملية نوعية دقيقة. وهذا ما يفتح السؤال الأهم: كيف يمكن فك "حصار نافارون" في نسخته المعاصرة، أي مضيق هرمز؟

الجواب لا يكمن في المواجهة الشاملة، بل في تفكيك عناصر القوة نفسها.

أولاً، تحييد القدرة على الإغلاق، وليس السيطرة على الجغرافيا. فالمضيق، بطبيعته، لا يمكن "احتلاله" بالكامل، لكن يمكن تقليل فاعلية أدوات التعطيل عبر عمليات استباقية تستهدف منصات الصواريخ، ومخازن الألغام، وقواعد الزوارق السريعة. أي ضرب "الأدوات" بدل الاشتباك مع "المجال". وهذا ما يحدث.

ثانياً، كسر الاحتكار الجغرافي:

جزء من قوة هرمز أنه ممر شبه إلزامي، لكن الاستثمار في بدائل - مثل خطوط الأنابيب النفطية البرية عبر السعودية والإمارات إلى بحر العرب - أو سكة حديد حديثة، يقلل من مركزية المضيق، ويحوّل التهديد من "خنق كامل" إلى "إزعاج جزئي" يمكن التعايش معه، و حرمان إيران من فوائده على المدى الطويل.

في عالم الطاقة، وسلسلة الإمدادات، التنويع في وسائل النقل، ليس اقتصاداً فقط، بل أمن استراتيجي طويل المدى.

ثالثاً، بناء مظلة حماية دائمة للملاحة.

ليس عبر ردود فعل موقتة، بل من خلال وجود بحري مستمر، وتقنيات متقدمة لكشف الألغام وتدمير الطائرات المسيّرة، وتنسيق إقليمي ودولي فعال يجعل أي محاولة إغلاق مكلفة سياسياً قبل أن تكون عسكرياً. هنا يتحول المضيق من "نقطة ضعف" إلى "نقطة مراقبة مكثفة".

رابعاً، وهو الأهم، نقل المعركة من الجغرافيا إلى السياسة. فاستراتيجية "نافارون" تقوم على استثمار التوتر، وكلما زادت عزلة النظام الذي يستخدمها الرافضون للإغلاق، زادت رغبته في توظيفها. تقليل الدوافع السياسية للتصعيد - عبر توازنات ردع واضحة، ورسائل حازمة، وقنوات مفتوحة - يقلل من احتمالية تحويل التهديد إلى فعل دائم.

في النهاية، لا تختلف نافارون المتخيلة كثيراً عن هرمز الواقعي، إلا في الوسائل. الفكرة واحدة: نقطة ضيقة يمكن أن تتحكم في فضاء واسع. لكن الدرس الأهم الذي تقدمه القصة، ويتكرر في الواقع، هو أن السيطرة المطلقة وهم. كل "مدفع" يمكن الوصول إليه، وتفجيره، وكل "مضيق" يمكن الالتفاف عليه، وكل ردع متمركز يحمل في داخله حدود صلاحيته. الدرس الأوضح: أن من يراهن على الجغرافيا وحدها قد يربح الوقت، و لكنه يخسر المعركة!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

GMT 04:40 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

تقدّم التأخر

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:31 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
المغرب اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:46 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تكون مشرقاً وتساعد الحظوظ لطرح الأفكار

GMT 17:22 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 13:10 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

ضبط فتاة وشاب يمارسان الجنس داخل سيارة نواحي الدريوش

GMT 12:54 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 26-9-2020

GMT 11:49 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

تحطم طائرة عسكرية ومقتل طاقمها في الجزائر

GMT 21:00 2016 الأحد ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

هيكتور كوبر يصرح "قطعنا خطوة كبيرة نحو مونديال روسيا"

GMT 04:46 2019 السبت ,04 أيار / مايو

شركة أمريكية تزيد من عضلات "موستنج".

GMT 14:25 2012 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

أوباما يحشد المواطنين ضد الكونغرس "بهاشتاج"

GMT 08:11 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

"فيرست وورلد جنتنج" أجمل فنادق ماليزيا على الإطلاق

GMT 00:32 2016 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد عبد العاطي يكثف الجهود لمواجهة السيول
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib