حظوظ الفقراء من المؤتمر

حظوظ الفقراء من المؤتمر

المغرب اليوم -

حظوظ الفقراء من المؤتمر

فهمي هويدي


لست أشك فى أن المستثمرين سيخرجون سعداء من مؤتمر شرم الشيخ. وهو أمر يسرنا لا ريب. لكن سعادتنا ستكون أكثر لو أن المصريين سعدوا بنفس الدرجة. صحيح أن الإعلام لم يقصر فى ذلك، حتى إن بعض منابره اعتبرت أن الفجر لاح والمستقبل بدأ، ونقلت على لسان أحد «الخبراء» قوله إنه يحمد الله أنه عاش حتى شهد ذلك اليوم المجيد الذى بزغ فيه الأمل وتحقق المراد حتى إنه ما عاد يروم لبلده شيئا من رب العباد. إلا أن ما اعتبره الإعلام واجبا أدَّاه يعد سلاحا بحدين فى حقيقة الأمر. فهو حين يلهب الوجدان ويدغدغ المشاعر ويتنافس فى التهليل والمزايدة على النحو الذى رأيناه، فإنه يتخلى عن الحذر ويرفع سقف التوقعات بأعلى مما ينبغى، وتلك مغامرة خطرة لها عواقبها الوخيمة إذا جاءت الحقائق دون التوقعات التى جرى الترويج لها.
إن التشاؤم تسرع غير محمود وغير مسئول. لكن الحذر والتوازن والوعى بالتحديات تجنبنا الانزلاق فى المغامرة. فى هذا الصدد أزعم أننا نواجه معضلة أساسية تستدعى تحديات ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد. هذه المعضلة تتمثل فى أن إسعاد المستثمرين كثيرا ما يكون على حساب الطبقات الفقيرة قبل المتوسطة. فى حين أن إرضاء تلك الطبقات يكون فى الأغلب متعارضا مع مصالح المستثمرين. وتكون المشكلة الكبرى فى هذه الحالة هى إلى أى الطرفين تنحاز السلطة. ذلك أن انحيازها للمستثمرين له تكلفته العالية وأضراره الجسيمة. أما انحيازه إلى الفقراء ومتوسطى الحال فيحتاج إلى رؤية اجتماعية واضحة ودرجة من استقلال القرار الاقتصادى. وهذه مسألة تحتاج إلى بعض الشرح الذى أستعين فيه بشهادة خبير اقتصادى محترم هو الأستاذ عمر الشنيطى الذى نشرت له جريدة «الشروق» فى ٧ مارس الحالى مقالة تطرق فيها إلى الموضوع، ومما ذكره ما يلى: لتشجيع المستثمرين فعلى صانع القرار أن ينضبط ماليا بالعمل على خفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين الحكومى لتحسين التصنيف الائتمانى. كما أن عليه تحرير سعر الصرف. وهذه الإجراءات ستشجع المستثمرين بالتأكيد. لكنها تحمل الكثير من الأخبار السيئة للفقراء. ذلك أنهم فى هذه الحالة سيواجهون زيادة فى البطالة وارتفاعا فى الأسعار على المدى القصير. والأمل معقود على أن يؤدى ذلك التوجه إلى إيجاد فرص عمل تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد. أما لو ركز صانع القرار على الفقراء فإن ذلك سيتطلب زيادة فى الإنفاق الحكومى لإيجاد فرص عمل وزيادة الميزات الاجتماعية من خلال توفير أشكال الدعم المختلفة لانتشال البعض من دائرة الفقر. لكن ذلك سيأتى على حساب زيادة عجز الموازنة وبالتالى التوسع فى الدين الحكومى. وهو ما يمثل أخبارا سيئة للمستثمرين. (انتهى الاقتباس).
لا ينكر أحد أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة عانت الكثير خلال السنوات الأربع الماضية. خصوصا فى ظل ارتفاع نسبة البطالة وتعثر القطاع الصناعى وارتفاع الأسعار مع رفع الدعم عن الوقود وتدهور قيمة الجنيه. وترتب على ذلك أن الفقراء ازدادوا تعاسة أما الطبقة المتوسطة فقد ازدادت عسرا والتحقت بشريحة الفقراء. والجهد الاستثمارى المفترض إذا استمر على وتيرته العادية فإنه سوف يؤتى أُكُلَه بعد ثلاث سنوات على الأقل. وربما لاحظت أن الشهادة التى أوردتها توا تحدثت عن أن إيجاد فرص العمل المنشودة يمكن أن يؤدى إلى تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد، أى أنه سيبدأ بعد ثلاث سنوات. والسؤال المطروح فى هذه الحالة هو: هل يمكن أن تستمر تلك الطبقات فى تحمل وطأة العُسر وشدة الفقر خلال تلك الفترة أم لا؟
لقد أثار انتباهى فى هذا الصدد ما ذكره الدكتور زياد بهاء الدين أنه حين طرحت فكرة عقد المؤتمر فى نهاية عام 2013 (حين كان وزيرا للتعاون الدولى ونائبا لرئيس الوزراء) فإن الهدف منه آنذاك كان حشد الدعم الدولى والعربى لإعادة تأهيل وتجديد البنية التحتية والخدمات العامة (التى تهم الطبقات المتوسطة والفقيرة) إلا أن الفكرة طورت بعد ذلك بحيث اتجه الرأى إلى تحويله إلى مؤتمر لجذب الاستثمارات الخاصة والمشروعات التجارية. أضاف الدكتور زياد فى مقالته التى نشرتها جريدة الشروق فى 3/10 أن ذلك التحول حدث استجابة لضغوط الإعلام المحلى. وتلبية لرغبات دول الخليج العربى.
لست أشك فى أن الرغبة فى الإنجاز والحرص على قطف الثمار كانت وراء ترجيح كفة جذب الاستثمارات على فكرة تجديد البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة. وهو ما يعطى انطباعا بأن ثمة انحيازا أكبر لصالح المستثمرين. فى ذات الوقت فإننى لست متأكدا من نجاح محاولة حفظ التوازن بين مصالح المستثمرين ومصالح الفقراء. ذلك أن أهل الاقتصاد يعرفون جيدا أن مواجهة العجز فى الميزانية تعالج من خلال تحصيل الضرائب وزيادة الإنتاج. كما أن العجز فى ميزان المدفوعات يعالج بالحد من استيراد السلع الكمالية وتشجيع السياحة. ولا يبدو فى الأفق أن هناك إجراءات حاسمة على هذين الصعيدين. من ناحية لأن ضرائب الدخل خفضت فجأة من ٣٠ إلى ٢٢.٥٪، الأمر الذى يصب فى صالح القادرين رغم أن ذلك التخفيض لم يكن ضروريا. وهو ما يعنى أن نسبة الـ٧.٥٪ التى جرى تخفيضها تحملتها فئات أخرى أقل قدرة. ثم إن قضايا الإنتاج والسياحة مرتبطة باستقرار الأمن وتحقيق السلم الأهلى، وهو الموضوع الذى لم يتطرق إليه أحد، أغلب الظن لأنه يستدعى ملفات سياسية حرجة ودقيقة.
إننا نريد لمؤتمر شرم الشيخ أن ينجح، لكننا نريد أيضا لفقراء مصر «ومساتيرها» أن يفوزوا منه بشىء قبل أن ينفد صبرهم وتتبدد طاقتهم على الصبر والاحتمال.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حظوظ الفقراء من المؤتمر حظوظ الفقراء من المؤتمر



GMT 16:13 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

بلاد الاقتراع

GMT 16:10 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

مفاعل «هرمز» و«الحل المهين»

GMT 16:07 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

النصيحة الألمانية للجبهة الإيرانية

GMT 16:05 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

جغرافيا القلق ومضيق هرمز

GMT 15:56 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

إيران بين المعرفة والانحياز المسبق

GMT 15:53 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الأدلة العلمية مزعجة لمدمن الخرافة

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - المغرب اليوم

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 17:10 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

مهنيو القاعات الرياضية في القنيطرة يتخذون خطوة حاسمة

GMT 14:22 2018 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

فندق "أربيز" الجسر الرابط بين فرنسا وسويسرا

GMT 06:44 2017 الأربعاء ,08 شباط / فبراير

نيكول ريتشي تطلّ في فستان فضي قصير
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib