عن «الحوار المجتمعى»

عن «الحوار المجتمعى»

المغرب اليوم -

عن «الحوار المجتمعى»

حسن نافعة
لا أظن أن مصطلحاً تم ابتذاله مثلما حدث مع مصطلح «الحوار المجتمعى» فى مصر. ومن المعروف أن هذا المصطلح كان قد بدأ يتردد بكثرة على ألسنة المفكرين ورجال السياسة عقب سقوط رأس النظام السابق مباشرة، ثم شاع استخدامه بعد ذلك بكثافة فى مختلف وسائل الإعلام، أحياناً فى محله وغالباً فى غير موضعه. ربما كان الدكتور يحيى الجمل هو أول من دعا إلى حوار من هذا النوع عقب سقوط رأس النظام السابق، حين كان نائبا لرئيس الوزراء فى حكومة أحمد شفيق، ثم فى حكومة عصام شرف. وقد استهدف الحوار فى ذلك الوقت بلورة «رؤية مجتمعية موحدة» حول سبل التعامل مع مشكلات المرحلة الانتقالية وإدارتها بطريقة تكفل بناء مؤسسات نظام سياسى جديد يلبى مطالب وطموحات الثورة، وتم بالفعل عقد عدة جلسات برئاسته أو تحت رعايته. ورغم خروج الدكتور يحيى الجمل من الوزارة تواصل «الحوار المجتمعى»، وتبدل دعاته ورعاته عند كل تغيير حكومى، ومازال مستمرا حتى الآن، ولكن دون أن يسفر عن شىء له قيمة من الناحية العملية. ولأنه صُمم، فيما يبدو، ليكون «حوار طرشان» يقول فيه «المجتمع» ما عنده وتفعل بعده «الحكومة» ما تشاء، فمن الطبيعى أن نتساءل: أين تكمن المشكلة.. هل فى المفهوم نفسه، أم فى أطراف الحوار، أم فى آلياته ومناهجه؟ دعونا نتفق ابتداء على أن مصطلح «الحوار المجتمعى» فى حاجة إلى مراجعة وتدقيق. فالمجتمعات الحديثة لا تحتاج إلى «حوارات»، لأنها بطبيعتها فى حالة «حوار» دائم لا يحتاج إلى من يدعو له أو يتبناه، بقدر ما يحتاج إلى «مشاركة» فاعلة فى عملية صنع القرار. فإذا كان المقصود من «الحوار المجتمعى» هو «التعرف» فقط على رؤية أو تصور «المجتمع» إزاء قضية بعينها، فما على الحكومة ومؤسسات صنع القرار سوى تكليف أحد أجهزتها المتخصصة بمتابعة ما يدور من نقاش طبيعى وعفوى حول القضية محل الدراسة فى مختلف وسائل الإعلام، كالصحافة والإذاعة والتليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعى على الشبكة الإلكترونية، وفى الجامعات ومراكز البحوث، وفى مؤسسات المجتمع المدنى...إلخ. أما إذا كان المقصود هو «إشراك» الأطراف المعنية فى عملية صنع القرار المتعلق بالقضية محل الدراسة، سواء اتخذت هذه العملية شكل صياغة مشروع قانون، أو بلورة سياسة عامة، أو وضع برنامج... إلخ، فإن الأمر يتطلب فى هذه الحالة سلسلة من الإجراءات أو الخطوات العملية المحددة، تبدأ بطرح «تصور أولى» وتنتهى بـ«منتج» متفق عليه. فإذا افترضنا أن الحوار المطلوب يستهدف، على سبيل المثال، إصدار قانون جديد للانتخاب، فلا يمكن لأى عملية حوارية حول هذا الموضوع أن تتمتع بالجدية المطلوبة إلا إذا تمت عبر خطوات محددة، أهمها: 1- قيام الجهة الحكومية المعنية بطرح تصورها لمشروع القانون المقترح. 2- تحديد الأطراف الرئيسية المعنية بهذا القانون، تمهيدا لدعوة ممثليها للحوار حول هذا المشروع. 3- الاتفاق على قواعد إجرائية لمناقشة وإقرار بنوده المختلفة، سواء عن طريق التفاوض المستمر إلى أن يتم التوصل إلى صياغة ترضى جميع الأطراف، و/أو طرح الأمور المختلف عليها عندما تصل المناقشة إلى نقطة معينة للتصويت. 4- إعلان المنتج النهائى للرأى العام وإرساله فى الوقت نفسه إلى البرلمان، مصحوبا بتعليمات واضحة من الأطراف المشاركة فى الحوار إلى ممثليها فى السلطة التشريعية تلزمها بالتصويت لصالح هذا المشروع. 5- فى حال عدم التوصل إلى اتفاق يتعين على الجهة الداعية، أو لجنة منبثقة عن المؤتمر، توجيه بيان للرأى العام لتوضيح القضايا التى تم التوافق عليها والقضايا التى لاتزال محل خلاف، وشكل الخطوات التالية. يتضح، فى ضوء ما تقدم، أن كل ما يقال فى مصر عن «حوار مجتمعى» لا يمت للحوار بصلة، بل هو أقرب ما يكون إلى وسيلة لتفريغ شحنة غضب تعتمل فى الصدور بسبب عجز المؤسسات الرسمية عن القيام بأدوارها ووظائفها الطبيعية، وأيضا عجز الأطراف الأخرى فى الوقت نفسه عن المشاركة الفعالة فى عملية صنع القرار. ولن يؤدى استمرار العمل بهذا النهج إلا إلى استمرار الأزمة الراهنة والدخول فى متاهات تستهدف تحميل «الآخر»، المختلف سياسياً وأيديولوجياً، مسؤولية الفشل المستمر، وربما لتبرير حالة الاستقطاب القائم حالياً فى الحياة السياسية المصرية، وهى حالة خطرة قد يؤدى استمرارها طويلا إلى كارثة حقيقية. فلنكف قليلاً عن هذا الحديث المتكرر والممل عن «حوار مجتمعى» مزعوم، ولنبحث بدلاً من ذلك عن آليات تضمن «مشاركة مجتمعية» فعالة ومثمرة. نقلاً عن جريدة " المصري اليوم " .

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن «الحوار المجتمعى» عن «الحوار المجتمعى»



GMT 09:06 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ميونيخ …؟!

GMT 08:20 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

السيد أندرو قيد التحقيق

GMT 08:19 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ماذا يجري خلف أسوار الصين؟

GMT 08:18 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

أي طريقٍ تنموي يصلح للعرب؟

GMT 08:17 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

حروب هجينة في أفريقيا

GMT 08:16 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

الهويات الصانعة للصراع

GMT 08:16 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

موضع وموضوع: هرمز ومضائق التاريخ

GMT 08:15 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

رمضانيات فى الذاكرة!

الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان - المغرب اليوم

GMT 19:48 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي
المغرب اليوم - دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي

GMT 03:53 2025 الإثنين ,10 شباط / فبراير

التشكيلة الرسمية للوداد الرياضي أمام الحسنية

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 06:19 2025 الثلاثاء ,26 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 26 أغسطس /آب 2025

GMT 10:14 2019 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على فوائد بذور الكتان للشعر وللعناية به

GMT 11:11 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

اطلاق مشروع "مدينة جميرا ليفينغ" السكني في دبي

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib