أمن المجتمع وحقوق المواطن

أمن المجتمع وحقوق المواطن

المغرب اليوم -

أمن المجتمع وحقوق المواطن

حسن نافعة
هل يمكن الحفاظ على الأمن دون المساس بحقوق الإنسان؟ هذا سؤال يبدو أننا لم ننشغل حتى بمجرد طرحه على أنفسنا، وبالتالى لم نكلف أنفسنا البحث عن إجابة موضوعية ودقيقة عنه، رغم أهميته القصوى. وأظن أن الظروف التى تعيشها مصر حاليا تفرض علينا ليس فقط أن نهتم بطرح السؤال أو إعادة طرحه مجددا، ولكن أن نجتهد أيضا فى البحث عن الإجابة عنه بكل أمانة وموضوعية، فجيشنا الوطنى يخوض الآن حربا شرسة ضد جماعات إرهابية استوطنت سيناء، وأجهزة الأمن المصرية المختلفة تواجه فى بقية أنحاء الجمهورية تحديات وأعمالا تخريبية واسعة النطاق، تضعف من شعور الإنسان والمواطن العادى بالأمن، وتجعله غير مطمئن على حياته وممتلكاته، وربما تجعله مهيأ نفسيا لتقبل أى إجراءات استثنائية تطالب بها الحكومة أو تقوم باتخاذها فعلا لاستعادة الأمن والانضباط، مثل حظر التجول، إو إعلان حالة الطوارئ، أو فرض الأحكام العرفية.. إلخ. هناك اعتقاد شائع يرى وجود تناقض طبيعى وحتمى بين الإجراءات المطلوبة لحماية أمن الوطن والمواطن، والضمانات المطلوبة لكفالة احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية الفردية والجماعية، كما يرى أن أى إجراءات تتخذ لحماية أمن الوطن والمواطن لابد أن تشكل بالضرورة قيدا على هذه الحقوق والحريات، وتحد من نطاق- أو تعوق- القدرة على التمتع بها. وعندما يجد المواطن نفسه فى موقف يتعين عليه فيه أن يختار أو يفاضل بين إجراءات تكفل له قدرا أكبر من الأمن والأمان وأخرى تتيح له هامشا أوسع من الحريات والحقوق الفردية والجماعية، وبما أن الإحساس بالأمن والأمان يعد شرطا لازما لتمكين الإنسان من التمتع بحقوقه، فمن الطبيعى أن تكون اعتبارات الأمن أولية على ما عداها. غير أن افتعال التناقض بين كفالة الأمن، واحترام حقوق الإنسان، وطرحهما فى صورة إما هذه أو تلك، يبدو لى أمرا مغرضا إلى حد كبير، وربما يكون ناجما عن خلط متعمد بين «أمن النظام» و«أمن المجتمع»، والتعامل مع المصطلحين وكأنهما وجهان لعملة واحدة. وتلك حيلة تلجأ إليها عادة جميع أنواع النظم الاستبدادية، لتبرير تسلطها، وللتغطية على فساد نخبتها الحاكمة، فليس هناك مواطن صالح يمكنه أن يرفض أى إجراءات تهدف فعلا إلى تحقيق أمنه الشخصى أو أمن الوطن ككل، مهما كانت استثنائية ومقيدة للحريات، لأنه لا يمكن لأى مواطن أن يتمتع بأى حق من حقوقه الفردية أو الجماعية، إذا فقد أمنه الشخصى أو تعرض الوطن ككل لمحنة كبرى. لكن عندما تكون الإجراءات الاستثنائية التى يلجأ النظام الحاكم إلى فرضها موجهة فقط لتصفية خصومه السياسيين أو للتمكين لفريق أو حزب سياسى فى مواجهة فريق أو حزب آخر، فلا يمكن اعتبار مثل هذه الإجراءات محققة لأمن الوطن أو المواطن بأى حال من الأحوال، بل ربما تكون، على العكس، خطرا كبيرا عليهما، خصوصا على المدى الطويل. تجدر الإشارة إلى أنه نادرا ما تلجأ النظم الديمقراطية إلى فرض قوانين أو إجراءات استثنائية واسعة النطاق. صحيح أن الإدارة الأمريكية لجأت فى عهد بوش الابن، وبعد وقوع أحداث سبتمبر، إلى اتخاذ بعض الإجراءات غير المعتادة، لإحكام الرقابة على المسافرين أو على الاتصالات والمراسلات الشخصية، بل قامت بإلقاء القبض على أشخاص، غير مرغوب فيهم، وترحيلهم، والسعى لحجزهم فى معتقلات تقع خارج الأراضى الأمريكية، لكنها لم تذهب إلى حد إعلان حالة الطوارئ مثلا أو فرض حظر التجول. كذلك الحال بالنسبة للنظم الحاكمة فى كل من إسبانيا وفى المملكة المتحدة، عندما تعرض البلدان لأعمال إرهابية واسعة النطاق. لا أشعر بالارتياح تجاه السهولة التى تفرض بها أو تمد الإجراءات الاستثنائية فى بلادنا، ولست واثقا من أن هذه الإجراءات تستهدف حقا أمن الوطن والمواطن فقط. وفى تقديرى أن التمادى فيها، والإفراط فى اللجوء إليها، وتوسيع نطاقها باطراد تنطوى على نوع من «الاستسهال» الذى قد يدفع ببقية أجهزة الدولة نحو التراخى، وعدم القيام بوظائفها وواجباتها على الوجه الأكمل، كما قد يدفع بأجهزة الأمن إلى تجاوز سلطاتها وصلاحياتها، والتغاضى عن أخطائها، فمن المعروف أنه حتى فى حالات الطوارئ لا يجوز إلقاء القبض على أبرياء، أو احتجاز مواطنين فى أماكن غير معلومة، أو إجراء تحقيقات فى غير حضور محاميهم، ناهيك عن تعذيبهم، وتلك ممارسات تحدث بكثرة فى هذه الأيام. نعم لكل إجراء يحفظ للمواطن وللوطن أمنهما فعلا، لكن لا وألف لا لكل إجراء ينتهك حقوق الإنسان، فمتى ندرك أن انتهاكات حقوق الإنسان هى الخطر الأكبر على أمن المجتمع؟ نقلًا عن "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمن المجتمع وحقوق المواطن أمن المجتمع وحقوق المواطن



GMT 17:23 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

إصرار أميركي على إخراج إيران من العراق…

GMT 17:19 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

إيران والمكابرة… على طريقة صدّام

GMT 15:36 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

المتاجرون بأوجاع الفقراء

GMT 15:35 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تجديد الحياة السياسية..

GMT 12:21 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

أوروبّا وحديث ما بعد ميونيخ

GMT 12:19 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

قائمة أعمال الوزارة

GMT 12:13 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

حرب عناوين ومواعيد

الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان - المغرب اليوم

GMT 19:59 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان
المغرب اليوم - تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:33 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

ترمب يعلن احتجاز ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 12:38 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

تركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 14:17 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

النجم العالمي زين مالك يعود للاستوديو في نيويورك

GMT 05:39 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

نورالدين بوطيب يعلن انخفاض معدل الجرائم التي تمس الأمن
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib