الحكومات بين صورتها وسلامة سكانها

الحكومات بين صورتها وسلامة سكانها

المغرب اليوم -

الحكومات بين صورتها وسلامة سكانها

بقلم -عبد الرحمن الراشد

كشف وباء كورونا (كوفيد - 19) المروع عن أزمة سياسية لا تقلُّ خطورة عن المرض نفسه. التكتُّم على الإصابات والوفيات بلغ مرحلة عند بعض الحكومات إلى درجة تزوير الإحصائيات، وعملية تسجيل المصابين، وفلترة المعلومات الصادرة عن المستشفيات. كل هذا من أجل الحفاظ على الصورة الزاهية للحكومات داخلياً وخارجياً. وكانت الكارثة أكبر في دول لم تكتف بالتكتم، بل أيضاً امتنعت عن اتخاذ قرارات قد تشوه صورتها، ودأبت على إصدار بيانات الطمأنة والنفي والسخرية، وترويج نظرية المؤامرة عليها. وخطر هذه الممارسات لم يختصر فقط على سكانها، مواطنين ومقيمين، بل تعداه إلى الإضرار بالدول الأخرى، خصوصاً ممارسات الدول ذات الكثافة السكانية العالية، التي لها امتدادات في العالم.
وفي الوقت الذي ينشد فيه العالم التعاون لأنَّه السبيل الوحيد لمنع تعاظم الكارثة وتهديد البشرية بشكل أكبر، ينجرف الأميركيون والصينيون في حرب بروباغندا كبيرة ضد بعضهما. فعلى السوشيال ميديا أخبار الإنجازات والنجاحات الطبية المضخمة من الصين تقابلها حملة تشويه متعمدة من الولايات المتحدة، مع أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يقول إنه هاتف نظيره الصيني، واتفقا على التعاون. وجاء التعاون بعد عقد قمة العشرين، التي تحدث فيها كل من الزعيمين الأميركي والصيني، وكانت الإطار الكبير للعمل الدولي الجماعي. القمة التي رأسها الملك سلمان بن عبد العزيز، عقدت بطلب من السعودية، بصفة استثنائية، مستبقة موعدها الرسمي الذي بقي عليه سبعة أشهر. التعاون الدولي ضرورة، لأن الوباء ليس صينياً، ولا مؤامرة غربية، بل فيروس وبائي يهدد سلامة البشرية في كل مكان.
العديد من الحكومات الآن تتراجع بعد أن أدركت الثمن الغالي للكذب والتعتيم، سواء في بياناتها الإحصائية المرتبطة بالوباء، والتحقت معظم الدول مقتنعة بأهمية اتخاذ قرارات حاسمة بإغلاق الحدود ومثلها. فقد كانت تمتنع لأنها تخشى أن تظهرها أمام العالم محاصرة ذاتياً أو فاشلة إدارياً. النتيجة، كما نلمسها، الفيروس ينتشر أكثر في أقل الدول رغبة في المبادرة، وهذا لا يعني أن البقية محصنة من ذلك. فإيران تحاول الآن تعديل قراراتها وخطابها، بعد أن استمرت نحو شهرين تعطي معلومات كاذبة، وتكابر، رافضة اتخاذ قرارات توقف نشاطاتها. الأميركيون سارعوا إلى سحب قواتهم من العديد من القواعد والنقاط الساخنة، وكذلك سحبوا الدبلوماسيين من العراق تقليصاً لمخاطر الإصابات.
فالرئاسة الأميركية تعاطت مع الوباء في البداية باستخفاف، ثم وجدته يمثل خطراً حقيقياً عليها، وتحركت لتدارك الوضع. بالنسبة للولايات المتحدة الوضع معقد وصعب من حيث اتخاذ القرار، نتيجة محدودية سلطة الدولة الفيدرالية. مع هذا، وفي واحدة من المرات القليلة، اتفق الحزبان السياسيان المتنافسان، الديمقراطي والجمهوري، على وضع خلافاتهما جانباً والعمل معاً تحت قبة الكونغرس، وأصدرا جملة قرارات لإنقاذ الوضع الصحي والاقتصادي للبلاد. لم تعد تنفع المكابرة أو المنافسة الضيقة.
الحكومات التي لا تملك الشجاعة على إعلان الأرقام الصحيحة، ولا الجرأة على اتخاذ القرارات الصعبة، ستدفع الثمن أكثر من الدول الأخرى، خصوصاً أننا لا نعرف عمق الأزمة، ولا عمرها، مع احتمالات عودة الوباء في موجات تالية. الصدق ليس فضيلة، بل ضرورة، لأن منظمة الصحة العالمية، والتفاهمات الدولية، تعطي القليل المتوفر من التجهيزات الطبية والعلاجية للدول التي تعلن أنها متضررة أكثر من غيرها. وهذا ما دفع بعضها إلى الإفصاح واختيار حماية مواطنيها أهم من حماية صورتها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحكومات بين صورتها وسلامة سكانها الحكومات بين صورتها وسلامة سكانها



GMT 10:58 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

القرار الفلسطيني المستقل

GMT 10:55 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع: معجم البلدان جوهرة خالدة

GMT 10:47 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

إثيوبيا... البيان بالعمل

GMT 10:43 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

ألف ليلة وليلة فرعونية

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 04:55 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

إيران تعلن الاتفاق على تبادل السفراء مع مصر
المغرب اليوم - إيران تعلن الاتفاق على تبادل السفراء مع مصر

GMT 09:23 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الأربعاء 28 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 17:41 2023 الأربعاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

أسعار النفط ترتفع مع تقليص الإمدادات في التعاملات الآسيوية

GMT 17:39 2019 الثلاثاء ,15 كانون الثاني / يناير

أسهم أوروبا ترتفع مع تعافي الأسواق بعد عطلة العام الجديد

GMT 08:05 2022 الأحد ,20 آذار/ مارس

مطاعم لندن تتحدى الأزمات بالرومانسية

GMT 11:16 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

تعرّفي كيف تدخلين أساليب الديكور الشتوية إلى منزلك

GMT 04:25 2019 الثلاثاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

الفول السودانى لمرضى القلب والسكر ويحميك من حصوات المرارة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib